تمر سوريا بمرحلة تاريخية لا تشبه المراحل السابقة. فقد انتهى نظام سياسي استمر عقوداً، وبدأت مرحلة انتقالية تحمل فرصاً حقيقية لبناء دولة جديدة، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر كبيرة إذا لم تُبنَ المؤسسات على أسس واضحة من المواطنة والقانون والتعددية والمساءلة.
وفي مثل هذه اللحظات، لا ينبغي للتنظيمات المدنية أن تتعامل مع المرحلة بمنطق المعارضة التقليدية: تأييد كل ما تفعله السلطة أو رفض كل ما يصدر عنها. كلا الموقفين يختزلان السياسة ويمنعان المجتمع من أداء دوره الحقيقي.
المطلوب هو بناء استقلال مدني وسياسي واضح: استقلال عن السلطة، وعن قوى المعارضة، وعن الاصطفافات الإقليمية والدولية، بحيث يصبح معيار الموقف هو مصلحة الدولة والمجتمع وحقوق المواطنين، وليس الموقف من الأشخاص.
أولاً: دعم الدولة لا يعني إعفاء السلطة من المساءلة
هناك فرق جوهري بين الدولة والسلطة.
الدولة ملك للمجتمع، أما السلطة فهي مؤقتة وقابلة للتغيير والمحاسبة. ولذلك فإن التنظيم المدني الوطني يجب أن يدافع عن مؤسسات الدولة ووحدتها وسيادتها، وفي الوقت نفسه يمارس الرقابة على السلطة عندما تخطئ.
ومن الخطأ السياسي أن يُنظر إلى أي نقد للسلطة باعتباره تهديداً للدولة. الدولة القوية هي التي تستطيع أن تتحمل النقد، وتراجع قراراتها، وتحاسب المسؤول الذي يتجاوز القانون.
والدولة التي تفقد القدرة على النقد والنقد الذاتي، وتغلق المجال أمام التعددية والحراك المجتمعي، وتسمح لعقيدة أو إيديولوجية واحدة بالسيطرة على المجال العام، تبدأ بفقدان قدرتها على تصحيح أخطائها. التاريخ يقدم أمثلة واضحة على ذلك، من الاتحاد السوفيتي إلى ألمانيا النازية، حيث تحولت القوة، عندما غابت المراجعة والتعددية، من مصدر للقدرة إلى مصدر للجمود ثم الانهيار.
لكن النقد الذاتي داخل الدولة ليس كافياً وحده. فلا يمكن افتراض أن السلطة ستراقب نفسها بصورة دائمة، ولذلك لا بد من وجود مجتمع مدني حي، وإعلام مستقل، ونقابات وجمعيات ومنظمات حقوقية وقوى سياسية قادرة على الرقابة والمساءلة.
وهنا تحديداً يجب أن يكون دور التنظيم المدني.
ثانياً: قراءة السلطة من خلال أفعالها لا من خلال صورتها
ينبغي للتنظيم المدني ألا يقع في فخ الأحكام الأيديولوجية المسبقة على السلطة الحالية.
فثمة خطوات سياسية مهمة جرى اتخاذها خلال المرحلة الانتقالية تستحق الدراسة والتقييم، ولا يجوز تجاهلها لمجرد أن التنظيم المدني يريد أن يبقى في موقع المعارضة.
ومن أبرز الأمثلة المسار الذي بدأ مع الاتفاق بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية في مارس/آذار 2025، والذي نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة، وعلى ضمان حقوق جميع السوريين في المشاركة السياسية، والاعتراف بالكرد كمكوّن أصيل في الدولة وضمان حقوقهم في المواطنة والحقوق الدستورية.
هذه الخطوة، إذا نُفذت بصورة صحيحة، يمكن أن تكون تحولاً تاريخياً في معالجة واحدة من أكثر القضايا السورية تعقيداً. والأهم أن التنظيم المدني ينبغي ألا يكتفي بالترحيب بها، بل أن يراقب تنفيذها، لأن الفرق بين النص السياسي والحق الفعلي يكمن في التطبيق.
وهذا هو النموذج الذي ينبغي أن يُعمّم:
ندعم الاتجاه الصحيح، ونراقب التنفيذ، وننتقد الخلل، ونقترح البديل.
فليس دور المجتمع المدني أن يكون جهاز تصفيق للسلطة، كما ليس دوره أن يكون جهاز هدم للدولة.
ثالثاً: المسألة الكردية نموذج لما يجب أن تكون عليه المواطنة السورية
المشكلة الكردية لم تكن مجرد مشكلة ثقافية أو لغوية، بل كانت جزءاً من أزمة المواطنة السورية نفسها.
وعندما تعترف الدولة بحقوق مواطنيها الكرد الدستورية والثقافية، فإنها لا تقدم تنازلاً لجماعة من الجماعات، وإنما تصحح خللاً تاريخياً في مفهوم المواطنة.
وقد تطورت هذه المسألة لاحقاً في اتفاقات الدمج، وصولاً إلى خطوات تتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية ومعالجة قضايا مدنية تراكمت لعقود.
لكن التنظيم المدني يجب أن يتعامل مع هذه التطورات بعقلية قانونية لا احتفالية: المهم ليس فقط ما تقوله النصوص، وإنما ما إذا كانت الحقوق ستتحول إلى ممارسة فعلية في التعليم والإدارة والثقافة والمواطنة والتمثيل السياسي.
وهذا يفتح الباب أمام مفهوم أوسع:
سوريا لا تحتاج إلى توزيع حقوق على جماعات، بل إلى بناء دولة تضمن حقوق المواطن بوصفه مواطناً.
رابعاً: الحراك الشعبي ليس تهديداً للدولة إذا بقي سلمياً وقانونياً
الحراك السوري الرافض لمقتل محمد غميرة، وكذلك التفاعل المجتمعي مع الانتهاكات والمجازر التي شهدتها مناطق الساحل والسويداء، يجب ألا يُقرأ تلقائياً باعتباره محاولة لإضعاف الدولة.
مقتل غميرة، وما أثاره من احتجاجات ومطالبات بالمحاسبة، يذكّر بأن الانتقال السياسي لا ينجح بمجرد تغيير السلطة، بل عندما تتغير علاقة المواطن بمؤسسات الدولة، بحيث يصبح القانون فوق رجل الأمن والموظف والمسؤول. وقد أعلنت السلطات احتجاز سبعة من عناصر وزارة الداخلية للتحقيق في القضية، وهو أمر ينبغي أن يُستكمل بتحقيق شفاف ومحاسبة معلنة إذا ثبتت المسؤولية.
والقاعدة التي ينبغي أن يتبناها التنظيم المدني واضحة:
من يقتل أو يعذب أو يهين مواطناً باسم الدولة لا يحمي الدولة؛ بل يضعف شرعيتها.
وفي الوقت نفسه، يجب رفض تحويل الحراك الشعبي إلى خطاب كراهية أو تحريض طائفي أو مشروع تفكيك للدولة.
المطلوب هو تحويل الغضب الشعبي إلى قوة قانونية ومؤسساتية: توثيق، محامون، رقابة، مطالب واضحة، تحقيقات مستقلة، ومحاسبة.
خامساً: الساحل والسويداء لا ينبغي أن يتحولا إلى ملفات طائفية
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المرحلة الانتقالية هو أن تتحول الجرائم والانتهاكات إلى صراع بين مكونات المجتمع.
ما حدث في الساحل والسويداء يجب أن يخضع لمعيار واحد: حماية المدنيين، كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين أياً كانت هويتهم أو الجهة التي ينتمون إليها.
فالعدالة الانتقائية لا تبني دولة.
والتنظيم المدني يجب أن يرفض منطقين متناقضين وخطرين:
الأول: تبرير الانتهاك لأن مرتكبه تابع للدولة.
والثاني: استخدام الانتهاك لتعميم المسؤولية على طائفة أو منطقة أو جماعة بأكملها.
المسؤولية شخصية وقانونية، وليست جماعية.
وهذه النقطة بالذات يمكن أن تجعل من المجتمع المدني قوة لمنع عودة سوريا إلى منطق الانتقام المتبادل.
سادساً: لا ينبغي استخدام المخاطر الخارجية لإغلاق المجال العام
سوريا تواجه بيئة إقليمية ودولية معقدة، من إسرائيل إلى بقايا شبكات النظام السابق، ومن التنظيمات المسلحة إلى التدخلات الإقليمية والدولية.
لكن مواجهة هذه المخاطر لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لتقييد المجتمع.
بل العكس هو الصحيح:
كلما زادت المخاطر الخارجية، ازدادت الحاجة إلى شرعية داخلية حقيقية.
فالشعب الذي يشعر أن الدولة تحميه وتحترم كرامته وتساوي بين مواطنيها سيكون أكثر استعداداً للدفاع عنها.
أما الدولة التي تطلب من المواطن أن يدافع عنها بينما لا يشعر أن القانون يحميه، فإنها تضعف نفسها من الداخل.
ولهذا فإن أفضل استراتيجية للأمن الوطني ليست أمنية فقط؛ إنها سياسية واجتماعية أيضاً.
سابعاً: المرحلة الدولية تفتح نافذة لا ينبغي إضاعتها
التعامل الدولي مع سوريا تغير بصورة كبيرة بعد سقوط النظام السابق.
فالولايات المتحدة اتخذت في مايو/أيار 2025 خطوات واسعة لتخفيف العقوبات على سوريا، كما رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية القطاعية، مع إبقاء تدابير مرتبطة بالأمن وبالمسؤولين المرتبطين بنظام الأسد والانتهاكات. وفي 2026 تطور الحوار السياسي الأوروبي مع السلطات الانتقالية إلى مستوى أعلى.
هذا يعني أن سوريا دخلت مرحلة جديدة في علاقتها بالمجتمع الدولي.
لكن الانفتاح الدولي ليس شيكاً على بياض.
إنه فرصة مشروطة بقدرة السوريين على بناء دولة مستقرة، شاملة، قابلة للحكم، وتحترم القانون وحقوق الإنسان.
ومن هنا ينبغي أن يكون خطاب التنظيم المدني السوري موجهاً إلى الداخل والخارج في الوقت نفسه: نحن نريد دولة ذات سيادة، لكننا نريد أيضاً دولة قانون؛ نريد رفع القيود عن سوريا، لكننا نريد أن تتحول الموارد الجديدة إلى تنمية وإعمار؛ نريد إنهاء التدخلات الخارجية، لكننا نريد في الوقت نفسه إنهاء الأسباب الداخلية التي تجعل التدخل الخارجي ممكناً.
ثامناً: من المعارضة إلى الرقابة المدنية
على التنظيم المدني أن يعيد تعريف وظيفته.
ليس مطلوباً منه أن يسقط الحكومة، وليس مطلوباً منه أن يحميها.
وظيفته أن يجعلها قابلة للمراقبة والمساءلة والتصحيح.
ولهذا أقترح أن يعمل التنظيم على خمسة مسارات متوازية:
الرصد: إنشاء فرق تتابع القرارات الحكومية، والانتهاكات، وأداء المؤسسات العامة.
التوثيق: توثيق الانتهاكات والوقائع بصورة مهنية، بعيداً عن الدعاية والتحريض.
الاقتراح: عدم الاكتفاء بالنقد، بل تقديم بدائل قانونية ومؤسساتية قابلة للتطبيق.
الضغط المدني: استخدام الإعلام والقانون والحوارات العامة والعرائض والفعاليات السلمية للتأثير في القرار.
بناء الجسور: التواصل مع الحكومة، والأحزاب، والنقابات، والمنظمات الحقوقية، والمكونات الاجتماعية، من دون الارتهان لأي منها.
بهذا يتحول التنظيم المدني من «معارضة للسلطة» إلى جزء من منظومة التوازن الديمقراطي في الدولة.
تاسعاً: لا نريد دولة بلا اختلاف
الدولة السورية التي نريدها ليست دولة بلا اختلاف.
هذه فكرة مستحيلة وخطيرة.
الدولة الحديثة هي التي تستطيع إدارة الاختلاف من دون أن يتحول إلى صراع أهلي.
ولا ينبغي أن يكون الاختلاف سبباً للانقسام، بل طريقاً إلى التعددية.
ولا ينبغي أن يكون النقد خيانة، بل أداة لتصحيح المسار.
ولا ينبغي أن تكون المواطنة امتيازاً تمنحه السلطة، بل حقاً أصيلاً يحميه القانون.
ولا ينبغي أن يكون الجيش والأمن فوق الدولة، بل جزءاً من مؤسساتها.
ولا ينبغي أن تكون العدالة انتقائية، بل قاعدة واحدة تطبق على الجميع.
عاشراً: الهدف النهائي ليس تغيير الأشخاص بل تغيير قواعد اللعبة
أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه القوى المدنية السورية هو أن تختزل المرحلة في السؤال: من يحكم سوريا؟
السؤال الأهم هو:
كيف تُحكم سوريا؟
لأن تغيير الأشخاص من دون تغيير قواعد الحكم يمكن أن يعيد إنتاج المشكلة بأسماء جديدة.
وإذا كانت المرحلة الانتقالية قد أظهرت أن السلطة التنفيذية تمتلك صلاحيات واسعة، فإن الأولوية المدنية يجب أن تكون العمل من أجل تطوير المؤسسات التي تمنع تركّز السلطة، وتعزز استقلال القضاء، وتوسع المشاركة السياسية، وتحمي حرية الإعلام والتنظيم، وتضع آليات واضحة للمساءلة. فالإعلان الدستوري لعام 2025 منح الرئاسة صلاحيات تنفيذية واسعة، وأثار لذلك نقاشاً حول توازن السلطات واستقلال المؤسسات.
وهنا لا ينبغي انتظار نهاية المرحلة الانتقالية كي يبدأ العمل المدني.
بل يجب أن يبدأ من الآن.
الخلاصة
إن قوة سوريا في المرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد الأسلحة التي تمتلكها، ولا بعدد الخصوم الذين تستطيع السلطة إسكاتهم.
ستُقاس بقدرتها على تحويل التنوع إلى قوة، والاختلاف إلى تعددية، والنقد إلى إصلاح، والاحتجاج إلى مشاركة، والعدالة إلى مؤسسة، والمواطنة إلى قاعدة للحكم.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي تمتلك إرادة الصمود تستطيع مواجهة قوى تفوقها قوة، وتجربة فيتنام مثال بارز على ذلك. لكن الدرس الأهم ليس عسكرياً؛ إنه أن تماسك المجتمع وامتلاكه لإرادة سياسية مشتركة يمكن أن يصبحا مصدراً للقوة يفوق التفوق المادي.
لذلك فإن مهمة التنظيم المدني السوري في هذه المرحلة ليست أن يكون خصماً دائماً للسلطة، ولا تابعاً لها.
مهمته أن يكون ضمير الدولة المدني ورقيبها المجتمعي.
أن يقول للسلطة عندما تنجح: هذا صحيح ويجب دعمه.
وأن يقول لها عندما تخطئ: هذا خطأ ويجب تصحيحه.
وأن يقول للمجتمع عندما يغضب: من حقك الاحتجاج، لكن لا تجعل غضبك طريقاً إلى الانتقام.
وأن يقول للمعارضة عندما تخطئ: معارضة السلطة لا تعني معارضة الدولة.
وأن يقول للجميع: لا يمكن بناء سوريا جديدة بعقلية سوريا القديمة.
إن الدولة التي نريدها ليست دولة يخاف فيها المواطن من السلطة، ولا دولة تخاف فيها السلطة من المواطن؛ بل دولة يحكم العلاقة بينهما الدستور والقانون والمواطنة والمساءلة.
وهنا تحديداً يبدأ الانتقال الحقيقي: ليس عندما تتغير السلطة فقط، بل عندما تتغير قواعد العلاقة بين الدولة والمجتمع.

هيثم سرية