إلغاء حفل الموسيقار السوري العالمي مالك جندلي في ساحة الساعة بمدينة حمص يثير التساؤل إن كان الأمر مجرد إجراء روتيني أم يحمل رسائل أعمق عن طريقة التعامل مع الموسيقى والفن في سوريا. فجندلي، وهو موسيقار وعازف بيانو ومؤلف سوري عالمي عُرف بمزج الموسيقى الكلاسيكية الغربية بالتراث الموسيقي السوري واستلهام حضارة أوغاريت، لم يكن حضوره حدثًا فنيًا عابرًا، بل رمزًا لمحاولة إعادة وصل السوريين بتاريخهم وفضائهم العام بلغة موسيقية جامعة.
لم يكن الحفل مجرد عرض موسيقي، بل محاولة لإعادة الحياة إلى الفضاء العام، وربط الموسيقى بذاكرة مكان رمزي، وفتح مساحة للسوريين للقاء والتعبير المشترك. إلا أن الإلغاء المفاجئ، قبل ساعات قليلة من موعد الحفل، دفع جندلي إلى الاعتذار عن المشاركة رغم إعلانه استعداده لتقديم موسيقاه لاحقًا عند توفر الظروف المناسبة.
يندرج هذا القرار ضمن مسلسل مستمر من التضييق على الفنون وتهميش دورها في إعادة بناء المشترك العام، سواء أتى بدافع أمني، أو خوف اجتماعي، أو نتيجة حسابات سياسية. وهو نموذج واضح لكيف يمكن للسلطة، أيًّا كان شكلها، أن تتحكم بالفضاء العام وتقلّص فرص الحوار والتعبير الجماعي.
وليس هذا الحادث استثناءً. فهناك أمثلة أخرى على تقييد الفعاليات الثقافية والفنية في سوريا من دون تقديم توضيحات رسمية، من بينها إلغاء فعالية أو حفل بعنوان “طوفان الأقصى” مع فرقة “الأرض” الفلسطينية في دار الكتب الوطنية، وكذلك معرض دمشق الدولي للكتاب 2025 الذي أُعلن عنه مسبقًا ثم لم يُنظَّم كالمعتاد، في ما وُصف بـ“الإلغاء الصامت” وسط غياب أي بيان رسمي من وزارة الثقافة، إضافة إلى إلغاء عرض كوميدي لفرقة Styria ضمن “مهرجان سوريا للكوميديا – Syria Comedy Festival”.
يندرج هذا التضييق على الفعاليات أيضًا ضمن خلفية أيديولوجية للسلطات في سوريا، كالادارة الذاتية في شمال شرق سوريا حيث الطابع القومي طاغٍ، أو ضمن مناطق حكومة السلطة الانتقالية التي يغلب عليها التوجه الإسلامي والتي ترى في الفنون والموسيقى “مفسدة” للمجتمع وأداة تشتت الانتباه عن الالتزام الديني والعقائدي. هذه الخلفية تفسر جزئيًا الإلغاءات المتكررة للفعاليات، ومحاولة التحكم بالفضاء العام، وتقييد حرية التعبير الفني باعتباره تهديدًا للقيم التي تسعى هذه السلطات لفرضها. وللمفارقة، لا يقتصر هذا التضييق على المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة السورية، بل يمتد أيضًا إلى مناطق سيطرة قسد، حيث مُنعت الفعاليات الاحتفالية الشعبية بالتحرير يومي 7 و8 كانون الأول بذريعة “الأمن والاستقرار”، في تجاهل واضح لفرحة الناس بسقوط نظام الأسد الهارب. هذا الواقع يضعف فرص التعبير الفني الحر، ويحدّ من إمكانية خلق فضاءات ثقافية مشتركة جامعة للسوريين كافة.
ومع ذلك، التاريخ وتجارب دول عديدة أظهرت أن محاولة حظر الفنون أو تقييدها بناء على خلفية عقائدية أو قومية لا يحقق استقرارًا اجتماعيًا دائمًا، بل يعيق بناء هوية مشتركة ويحد من فرص المصالحة الوطنية. ففي جنوب أفريقيا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، كانت الفعاليات الموسيقية والمهرجانات الفنية أدوات أساسية لتجاوز الانقسامات العرقية والسياسية. وفي البلقان وأميركا اللاتينية، لعبت الموسيقى والفنون دورًا مشابهًا في تهدئة التوترات وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات المتضررة من النزاعات.
تعكس هذه الوقائع نمطًا متكررًا: إلغاء أو تقييد النشاطات الثقافية من دون أسباب واضحة أو شفافية، ما يخلق بيئة طاردة للإبداع ويكرّس فكرة أن الفن عبء يجب التحكم به لا فرصة ينبغي الاستثمار فيها. في هذا السياق، لا يُنظر إلى الموسيقى بوصفها أداة لتنشيط الفضاء العام وتعزيز الحوار والمصالحة، بل كمصدر قلق يجب تحييده.
في الحقيقة، الموسيقى ليست ترفًا، بل لغة إنسانية جامعة تكسر الحواجز النفسية والفكرية، وتخلق لحظات مشتركة تذكّر السوريين بما يجمعهم أكثر مما يفرّقهم. خلال الثورة، وُلدت الأغاني في الساحات والمظاهرات من الناس أنفسهم لتصبح هوية صوتية مشتركة عابرة للانتماءات الاجتماعية والدينية. غير أن هذا الدور الجامع تعرّض لاحقًا للتشويه، سواء عبر إدخال عبارات طائفية وإقصائية، أو من خلال توظيف الموسيقى في زمن النظام السابق لتكريس الولاءات وتمجيد السلطة.
إذا استمر هذا النهج في المرحلة الانتقالية الحالية، فقد يترك آثارًا عميقة على المستقبل الثقافي والفني، وقد يحوّل التعليم والفنون إلى أدوات أدلجة بدل أن تبقى مساحات للتعبير والمصالحة. التجارب الدولية تؤكد أن الفنون لا تنهي الأزمات لكنها تخلق لغة مشتركة تساعد على تجاوزها وتعزز السلم الأهلي. فهل يمكن لأي سلطة انتقالية أن تبني مجتمعًا متماسكًا ومتصالحًا وهي تتعامل مع الفن والموسيقى باعتبارهما تهديدًا؟ أم أن فرض قيود على الإبداع يشكل عائقًا أمام أي مشروع إعادة بناء حقيقي للمجتمع السوري؟
من هنا، لا يمكن قراءة إلغاء حفل مالك جندلي كحدث منفصل، بل كجزء من عقلية ترى في الموسيقى والفن عبئًا يجب تجنبه لا فرصة ينبغي احتضانها. فالمجتمعات لا تتعافى بالصمت أو بإقصاء الجمال، بل بفتح نوافذ للتعبير وخلق لحظات إنسانية تعيد بناء الثقة. قد لا تنهي الموسيقى الصراعات، لكنها تليّن القلوب، وتعيد للمجتمع شيئًا من إنسانيته، وتبقى جسرًا هشًا لكنه قابل للعبور نحو هوية أوسع وسلامٍ ممكن، رغم كل شيء.