لم تكن سوريا في أيٍّ من أطوارها الحديثة دولةً جامعةً لمواطنيها بقدر ما كانت منظومةً تُدار بالولاء والقرب من السلطة والنفوذ. فكان منح الحقوق فيها يجري بميزان القوّة، ويجري حرمانها بالتخويف. ودُفع معظم الناس إلى الصمت عن أبسط مطالب العيش كي لا يتحوّل الكلام إلى تهمةٍ سياسية. واليوم، مع تفكّك المؤسّسات وتعمّق الشروخ الاجتماعية، تقف البلاد على حافّة فقدان صفتها كدولة. ولا يمكن الخروج من هذا الوضع إلا بالبدء في إعادة تعريف الدولة على أنها عقدٌ لا غنيمة، وجعل المواطن شريكًا لا تابعًا.

يستحيل فهم مستقبل سوريا من دون تفكيك التركة الثقيلة التي راكمها نظام الأسد. لم يقتصر إرث هذا النظام على بنية الحكم الهرمية التي احتكرت السلطة والثروة والقرار في العاصمة، بل شمل أيضًا تشويه العلاقات بين الأقليات والأغلبية السنية، وبين المركز والأطراف، وبين الخوف المزروع بعناية والحاجة المزمنة إلى الحماية.

وفي ظل هذا الهيكل، انخرط كثير من أبناء الطائفة العلوية في الجيش والأجهزة الأمنية، لا بوصفهم شركاء اصليين في مشروع الحكم، بل كنتيجة للتهميش الاجتماعي التاريخي، وصعود حافظ الأسد إلى قمة السلطة، وتراجع النخب الحضرية التقليدية، مع توظيف منظم للخوف الطائفي كأداة لإدارة المجتمع. ونال بعض العلويين امتيازات مادية ورتبًا ومكانة رمزية، بينما دفع آخرون – ومعهم بقية السوريين – أثمانًا دموية باهظة في حروب متلاحقة، حتى أصبح مصير فئات واسعة منهم مرتبطًا بمصير الكرسي أكثر مما هو مرتبط بمصير الدولة.

مع انطلاق موجة الربيع العربي، أعاد النظام إحياء سرديات الاصطفاف الطائفي وروّج مبكرًا لخطاب التخويف من «الأغلبية السنية المتوحشة» بعد عقود من صناعة الخوف وتغذيته. وعندما انفجرت الثورة عام 2011، ظهر عمق هذا الخوف وترسّخه. وجدت معظم الأقليات نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ؛ إمّا الالتحاق بشارع ثائر لا تعرفه وتخشاه، أو التمسّك بسلطة فاسدة وقاتلة لكنها مألوفة. فاختارت الغالبية الحياد الصامت أو التأييد غير المعلن، وهو ما منح النظام قاعدة اجتماعية مكّنته من الصمود، ثم من سحق الثورة، ثم من تحويل سوريا إلى ساحة صراع دولي ممتدّ.
ورغم أن جزءًا من الأقليات وقع تحت تأثير دعاية النظام أو خشي المجهول أو فقد ثقته بالمعارضة، فإن ذلك لا يغير حقيقة أن موقف هذه الأقليات – وعلى رأسها الطائفة العلوية – شكّل عنصرًا حاسمًا في إطالة عمر النظام.

اليوم، وفي سياق ما بعد سقوط النظام، يتولى أحمد الشرع رئاسة الدولة، وهو القادم من خلفية جهادية وزعامة «هيئة تحرير الشام» التي انفصلت عن «النصرة» و«داعش» من دون أن تقطع تمامًا مع الإرث الأيديولوجي لهما. وفي ظل هذا التحول، تبرز الحاجة إلى فهم كيفية طمأنة الأقليات بأنها لن تُقصى أو يُنتقم منها، وتأمين ضمانات حقوقية وثقافية للأكراد الذين حُرموا طويلًا من أبسط حقوق المواطنة.
تزداد هذه الأسئلة إلحاحاً حول صيغة الحكم التي تمنع عودة المركزية القسرية أو الانزلاق نحو فيدرالية قد تتحول إلى تقسيم مقنّع، خاصة بعد أن أعلن الشرع في ديسمبر 2025 رفضه الواضح لأي شكل من أشكال الفيدرالية أو الانفصال، معتبرًا أنها نتاج “رؤى ضيقة”، ومؤكدًا وحدة الساحل والداخل. ورغم هذا الموقف الرسمي، بقيت أصوات من قوى مدنية وأوساط من الأقليات تطالب بتوسيع صلاحيات الإدارة المحلية، في أجواء أعادت فتح نقاشات واسعة داخليًا ودوليًا حول شكل الحكم المقبل.

بين الفيدرالية واللامركزية

لسنوات طويلة، رافق طرح اللامركزية سوء فهم عميق؛ إذ ألصق النظام، ثم بعض خصومه، هذا الطرح بخطاب سلفي أو انفصالي. وخلال هذا الالتباس، برزت أصوات تروّج للفيدرالية كحل شامل. لكن التجارب تظهر أن الفيدراليات الناجحة لا تنشأ في الفراغ، بل تتطلب مؤسسات قوية وتوافقاً سياسياً رصيناً، كما في النموذج السويسري الذي قام على عقد اجتماعي عميق لا مجرد تقسيم جغرافي.
أما في سوريا – بلد منهار اقتصاديًا، مفكك مؤسسيًا، ومتداخل ديموغرافيًا – فإن الفيدرالية قد تنزلق بسهولة إلى كانتونات طائفية تخضع لميزان القوى المحلي والدولي. ورغم أنها قد توفر نظرياً حماية للأقليات، إلا أن غياب الدولة الضامنة يجعلها عرضة للتحول إلى أطر للصراع.
في المقابل، تبرز اللامركزية كخيار واقعي لإعادة توزيع الصلاحيات ضمن دولة موحدة. وهي ليست وصفة سحرية؛ إذ قد تُنتج فسادًا محليًا إذا غابت الرقابة، لكنها تتيح إدارة الشؤون المحلية بكفاءة وتخفف ضغط المركز، من دون المساس بوحدة الدولة السياسية.

لا تهدف هذه المقارنة إلى الانحياز لأي خيارٍ بعينه، بل تسعى إلى إظهار أن مستقبل سوريا لا يمكن اختزاله في وصفةٍ تقنيةٍ مستعارة من تجارب الآخرين. إن مستقبل البلاد مرهونٌ بعقدٍ وطنيٍّ جامعٍ وإرادةٍ سياسية تُقدِّم مفهوم الدولة على حساب الاصطفافات الضيقة.

كما يتطلّب الأمر تحقيق توازنٍ بين الحاجة إلى وحدة المؤسّسات وبين ضرورة التوزيع العادل للسلطة، للحدّ من مخاطر الاحتكار والاستقطاب.

وفي المحصلة، لا تكمن المُفاضلة بين الفيدرالية واللامركزية في التسميات الدستورية، بل في القدرة على إنشاء دولةٍ قابلةٍ للحياة: دولةٍ تتّسع لمواطنيها، وتستوعب تنوّعهم، وتمنع في الوقت نفسه انزلاقها إلى كانتوناتِ خوفٍ أو مناطق نفوذ. لقد دفعت سوريا ثمنًا باهظًا لتتعلّم أن الأوطان لا تُبنى بالقوة ولا بالخوف، بل بالثقة. وأيُّ صيغةٍ سياسية ناجحة لن تكون إلا تلك التي تعيد بناء هذه الثقة.