إن التحالف السوري الديمقراطي، إذ يعلن موقفه من المرسوم رقم (39) لعام 2026 المتعلق بمنح عفو عام، يؤكد أن هذا المرسوم يثير إشكاليات دستورية جوهرية، تمسّ جوهر المرحلة الانتقالية، وتتناقض مع نصوص صريحة في الإعلان الدستوري.
أولاً: مخالفة مبدأ الفصل بين السلطات (المادة /2/)
ينص الإعلان الدستوري صراحةً في المادة /2/ على أن الدولة تؤسَّس لإقامة نظام سياسي يرتكز على مبدأ الفصل بين السلطات، وإنّ منح العفو العام، وتخفيف العقوبات المؤبدة بشكل جماعي، دون آليات قضائية تفصيلية أو مسارات مساءلة، يؤدي عملياً إلى: تغليب السلطة التنفيذية على حساب الاختصاص القضائي، تقويض مبدأ التوازن بين السلطات، إضعاف الدور المؤسسي للقضاء في تقييم المسؤولية الفردية.
إن العفو، حين يتحول إلى أداة شاملة لإعادة ترتيب المشهد الجزائي، يتجاوز روح المادة /2/ التي تؤكد أن النظام السياسي يقوم على التوازن لا التمركز.
ثانياً: مخالفة المادة /14/ المتعلقة بالمشاركة السياسية وسيادة الشعب
تنص المادة /14/ من الإعلان الدستوري على ضمان المشاركة السياسية وتنظيم العمل السياسي وفق أسس وطنية، وإن إصدار عفو عام واسع، دون نقاش وطني واسع، ودون إشراك قوى سياسية ومدنية في بلورة فلسفة العدالة الانتقالية، يتعارض مع مفهوم المشاركة الذي أكده الإعلان الدستوري. فالمرحلة الانتقالية ليست شأناً تنفيذياً صرفاً، بل مساراً سيادياً يتعلق بمستقبل الدولة وبحقوق الضحايا وبثقة المجتمع بمؤسساته.
ثالثاً: تجاوز حدود الاختصاص الدستوري للسلطة التنفيذية
لم يمنح الإعلان الدستوري الرئيس الانتقالي سلطة إصدار قوانين ولا حتى مراسيم تشريعية، وعدم التفويض هذا يشمل قوانين العفو العام التي تتعارض وقواعد العدالة أساسًا ما لم تكن صادرة عن مجلس نيابي منتخب ديمقراطيًا ولضرورات وطنية عليا، لا لاعتبارات سياسية مرحلية أو طارئة.
إن السلطة التنفيذية ليست مخوَّلة بممارسة مهام تدخل في جوهر اختصاص السلطة التشريعية أو القضائية، وعليه، فإن منح عفو عام بصيغة واسعة، تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع المسارات الجزائية، يُثير تساؤلاً مشروعاً حول: مدى احترام الاختصاصات الدستورية، ومدى انسجام المرسوم مع التوزيع الوظيفي للسلطات كما أقرّه الإعلان الدستوري.
رابعاً: تقويض مسار العدالة الانتقالية
الإعلان الدستوري لم يُصَغْ لإدارة “تسوية سياسية”، بل لتأسيس مرحلة انتقالية قائمة على: سيادة القانون، استقلال القضاء، معالجة آثار المرحلة السابقة ضمن إطار مؤسسي. إن العفو العام، إذا لم يُقيّد بدقة، ولم يُستثنَ منه ما يتصل بالانتهاكات الجسيمة، ولم يُربط بآليات اعتراف أو جبر ضرر، فإنه يُضعف الثقة بمسار العدالة، ويهدد بتحويل المرحلة الانتقالية إلى إعادة إنتاج جزئي لمنطق ما قبل السقوط.
خامساً: موقف التحالف السوري الديمقراطي
انطلاقاً من نص المادة /2/ المتعلقة بالفصل بين السلطات، والمادة /14/ المتعلقة بالمشاركة السياسية، يؤكد التحالف السوري الديمقراطي:
احترام مبدأ الفصل بين السلطات وعدم تحويل القرار الجزائي إلى أداة سياسية تنفيذية.
ضرورة إخضاع سياسات العفو لنقاش وطني علني، ضمن إطار تشاركي ينسجم مع المادة /14/.
أن الجرائم ذات الطابع الجسيم أو المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان لا يجوز أن تكون محل تخفيف جماعي.
ختام
إن احترام الإعلان الدستوري لا يكون بالاستناد الشكلي إليه، بل بالالتزام بنصوصه وروحه، والدولة التي تُبنى على سيادة القانون لا تُدار بقرارات استثنائية واسعة، والانتقال الديمقراطي لا يُختزل في عفو عام، بل يُؤسَّس على عدالة متدرجة، ومساءلة مسؤولة، وفصل حقيقي بين السلطات.
التحالف السوري الديمقراطي