إلى كل قلبٍ يزن القرار بميزان العقل قبل أن يخطو، وإلى كل من يرى السياسة رحلة أخلاقية قبل أن تكون سباقاً على كرسي السلطة ، هناك سؤال يتردد صداه عميقاً في أروقة الفكر :
“إذا كان الخصم متوحشاً، وميزان القوى مائلاً، فهل تكون مسؤولاً، بل ربما مداناً، إذا اخترت المواجهة ودفعت بنفسك وبمن وثق بك نحو مصيرٍ مُكلف؟”.
قد يبدو السؤال بسيطاً، لكنه مفتاح لكشف عري الهوية الفكرية لأي تنظيم سياسي. إنه ليس مجرد اختبار للتهور أو الخوف، بل هو اختبار لجوهر المشروع، وغاية الفعل، ودور الفاعل السياسي في زمن تهاوى فيه الأخلاق والقانون. هذا التساؤل رافق مسيرة البشرية منذ الأزل ، وهو صراع كل حركة وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام “الليفاثيان” ، ذلك المفهوم الذي صاغه الفيلسوف توماس هوبز لوصف الدولة المطلقة الضامنة للأمن، لكنه تحول في سياقنا إلى رمز للسلطة المستبدة المتوحشة التي ترى نفسها فوق القانون وفوق كرامة وحقوق المجتمع. الإجابة على هذا الصراع تتوقف على الزاوية الفلسفية التي ينطلق منها المتقاتل، وعلى أي أرض فكرية يقف.
دعونا نضع فكرة جانباً: إن خطاب المواطنة ليس خطاب حرب. المواطن ليس تمرداً ولا خصماً ، بل هو فاعل سياسي أصيل، وصاحب رأي وموقف ومصلحة. لا يحق لأي سلطة أن تحوّل المواطن إلى مجرد “رعية”. لكن المشكلة تبدأ حين يقرر الفاعل السياسي المواجهة المباشرة مع وحش متفوق. هنا تبدأ مرحلة الحساب الأخلاقي والسياسي.
لو سألنا الواقعي السياسي على طريقة هوبز وميكافيلي ، لكان الجواب قاسياً: الإنسان يطلب الأمن أولاً ، والليفاثيان القوي أفضل من الفوضى. إن من يدخل في معركة خاسرة مع قوة متفوقة بصرامة ميزان القوى، هو المسؤول الأول عن الهزيمة قبل خصمه.
أما لو رفعنا الأمر إلى مدرسة الليبرالية والعقد الاجتماعي، فيتغير السؤال: هل السلطة شرعية أصلاً؟. هل انتهكت العقد مع المواطنين؟. إذا سقطت شرعية السلطة، فمن حق المواطنين، بل من واجبهم، مقاومتها وفق جون لوك. وهنا يذكّرنا كانط بأن الكرامة والحرية تتقدمان على أي اعتبار نفعي قصير المدى. عندها، قد تكون المواجهة مبررة أخلاقياً، وإن كانت خاسرة عملياً.
ولكن هناك طريق آخر، طريق الفلسفة السلمية واللاعنف، كطريق غاندي ومارتن لوثر كينغ. هنا، لا تكون المواجهة عسكرية، بل أخلاقية. إن المقاومة السلمية ضد آلة القمع لا يُدان صاحبها، لأن اللاعنف ليس مقامرة بميزان القوى المادي، بل هو تفكيك أخلاقي عميق لبنية الاستبداد ذاتها. كما قال لوثر كينغ ذات يوم: “في النهاية، نذكر صمت الأصدقاء أكثر من كلمات الأعداء”.
أما الوجوديون، من سارتر إلى كامو ، فلديهم منطق آخر؛ الإنسان حر ومسؤول. قد يختار المواجهة لأنه ببساطة يرفض العيش في عالم بلا معنى. المسؤولية في هذه الفلسفة تقاس بصدق الاختيار، لا بالنتيجة. يردد سارتر: “على المرء أن يخلق قيمه، لا أن يرثها”.
ولم يغب هذا الصراع عن فكرنا الإسلامي والعربي. فالإمام علي بن أبي طالب حذر من “الفتنة بلا رؤية” التي رآها أخطر من الصبر على الظلم المؤقت. وحذر الغزالي من الخروج غير المحسوب الذي قد يؤدي إلى “استبدال استبداد بآخر” ، وإن أشار إلى أن السلطة التي تظلم بلا رادع تفقد شرعيتها. ورأى ابن خلدون أن الظلم مؤذن بخراب العمران ، فيما اعتبر الكواكبي الاستبداد أصل كل الشرور، ومقاومته واجباً أخلاقياً وتاريخياً. جميعهم، وصولاً إلى مفكرينا المعاصرين، أكدوا أن الحرية لا تُوهب، وأن ثمن التأخر في مواجهة الاستبداد يُدفع، كما يُدفع ثمن المواجهة التي تفتقر إلى الرؤية.
قبل الإجابة على السؤال الجوهري، علينا أن نتوقف لنسأل أنفسنا: هل التنظيم واقعي سياسي ؟ أم ليبرالي دستوري ؟ أم سلمي لاعنفي ؟ أم وجودي يدافع عن الحرية بمعناها المطلق ؟. بدون تحديد هذه الهوية الفكرية ، تصبح الخيارات مجرد مزاج شخصي، وتصبح المواجهات والانسحابات مجرد ردود أفعال، لا مشروعاً سياسياً محكوماً برؤية.
ولكن، لا يمكن لأي تنظيم أن يدّعي الديمقراطية دون شروط مبدئية: سيادة الدولة واستقلالها فوق أي سلطة فردية أو فئوية. الدولة الشرعية هي الليفاثيان الوحيد الذي يحتكر القوة لحماية مواطنيها لا لقمعهم. والشرعية تأتي من الشعب فقط ، لا من حزب أو طائفة أو جيش أو مرجعية. وهي تعني حكم الشعب للشعب مع ضمان المساواة الكاملة للمواطنين. وأخيراً، الفصل بين السلطات والرقابة المجتمعية ، لضمان خضوع الأجهزة الأمنية والعسكرية للدستور والقانون ، ولتكون أدوات حماية لا قمع. إن الضمانات الدستورية، مثل استقلالية القضاء وتحديد فترات الحكم، هي ما يقطع الطريق أمام محاولات احتكار السلطة مجدداً.
بلا هذه المبادئ، يتحول أي تنظيم مقاوم إلى نسخة مطابقة للوحش الذي يدعي أنه يحاربه.
وهنا تكمن المأساة، كما قال نيتشه: “من يقاتل الوحوش عليه أن يحذر ألا يتحول هو نفسه إلى وحش. وإذا حدّقتَ طويلاً في الهاوية فإن الهاوية تحدّق فيك أيضاً”. تبدأ المسؤولية السياسية من هذه اللحظة : كيف نقاوم الوحش دون أن نتحول إليه؟ وكيف لا نقود الناس إلى موت بلا معنى، ولا إلى صمت بلا كرامة؟
المعادلة ليست خياراً بين “مواجهة أو استسلام” ، بل هي مشروع سياسي واضح المعالم، أخلاقي، ومحسوب. عندما تتضح فلسفة الحزب، وأدواته، وعلاقته بالدولة ، حينها تبدأ الإجابات الحقيقية. وتبدأ السياسة بمعناها الرفيع:
فن إدارة الممكن، لا فن دفن الأحياء