دير الزور، المظلومة عبر الزمن:

محافظة غنية بأهلها، بفراتها، بكنوزها المدفونة تحت الأرض، لكنها فقيرة بمصيرها، محكومة بلعنة الجغرافيا والتاريخ. منذ اكتشاف النفط في ثمانينيات القرن الماضي، تكدس الأمل في صدور أهلها. حقل التيم، الطيانة، التنك… أسماء حفظها الناس أكثر من أسماء كتبهم. أكبر الحقول هو حقل التيم، الذي لا يبعد عن مركز المدينة سوى 6 كم، واكتشف في سبتمبر 1987، تبعته حقول الطيانة والتنك عام 1989 على ضواحي المدينة. استُثمرت هذه الحقول من قبل شركات وطنية وأجنبية ومشتركة، وانتشرت محطات ضخ النفط والغاز على مقربة من الأحياء السكنية، ولم تكن تلك سوى بعض الحقول، إذ تمتد في أرض دير الزور ثروة هائلة من مكامن النفط والغاز، كثير منها ظل بعيداً عن أيدي أهلها، قريباً من أطماع الغرباء.
كان من المفترض أن يُشكل هذا الكنز الثمين نقطة تحول للمدينة، يُنعش اقتصادها، ويفتح لها باب الازدهار، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.
بل على العكس، بدل أن تنهض المدينة على أعمدة الذهب الأسود، نُهبت، وتحولت إلى محطة وقود خام تُغذي وحش الفساد.فيما بقي أبناؤها على الهامش، محرومين من العمل في المؤسسات والشركات التي نشأت على أرضهم. المناصب كانت حكراً على أصحاب الولاء، وأصحاب الحظوة، ودافعي الرشوة.
مدينةٌ نائمة فوق ثروتها، تحلم بالمدنية، وتصحو على صفعات الإهمال.
لم تكن دير الزور إلا هامشاً في دفتر الطغيان. لا جامعة حتى 2006، لا مشافٍ تليق بإنسان، لا طرق تصل بين قراها إلا شرايين من الحصى والموت.
رغم إرثها الحضاري الضخم، حيث تتوزع فيها مواقع أثرية تعود إلى آلاف السنين، كمملكة ماري، ودورا أوروبوس، وقلعة الرحبة، وحلبية وزلبية، إلا أن الحاضر ظل قاتماً. آثار مهدورة، تعليم مهمل، وخدمات صحية لا تليق بحياة بشر.
محافظة يزيد عدد سكانها عن مليون ونصف نسمة، يُضطر أبناؤها للسفر إلى حلب ودمشق لتلقي العلاج.
معظم الطرق داخلها وفي ريفها تُشكل خطراً يومياً، ضحاياه غالباً من الأطفال.
أما التعليم، فلم ينل نصيبه إلا في وقت متأخر جداً، وبصورة خجولة. وحتى مع إنشاء جامعة الفرات في 2006، ظل الواقع التعليمي هزيلاً، فقيراً في بنيته، متروكاً لمزاج السلطة.
أما المدارس، معظمها كانت أكثر شبهاً بملاجئ منهكة، نوافذها مكسورة، جدرانها تصرخ من الرطوبة، والمناهج تمر بلا روح.
المستشفيات كانت تشبه غرف الإسعاف في مخيمات الطوارئ، لا معدات، لا أطباء، ولا حتى سريرٌ يستر الموجوع من انكشاف الألم.
كانت دير الزور، وما تزال، مدينةً تعيش على ضوء الأمل المكسور. الناس هناك لا ينامون على وسائد من ريش، بل على همٍ متراكم من عقود. في الصباح، تتفتح العيون على شمسٍ تُرقعُ ظلال العتمةِ في بيوتٍ لم تعرف النورَ إلا من نافذةٍ متعبة، وفي الليل يُضيئون العتمة بسهرهم على الحسرات.
الطفل هناك قبل أن يحلم بأن يصبح طبيباً أو طياراً، عليه أن ينجو من الطريق إلى المدرسة. والشاب، حين يجلس على عتبة بيته، لا يخطط لمستقبله، بل ينتظر خبر الهجرة.
في الريف، لم يكن التهميش سياسة، بل قدراً يُسكب في المهد،
والخوف لم يكن شعوراً عابراً، بل جداراً من صمتٍ عتيق بُني حول الأعناق.
كانت العشائر تمشي في ظلّ الدولة، تتسابق على فتاتٍ من هيبة،
كأن النجاة لا تكون إلا بالتساوق مع الظل، وكأن الولاء صك غفران يُباع في السوق السوداء للكرامة.
كانوا يقولون: دير الزور بعيدة. لكنها لم تكن بعيدة عن الحزن، ولا عن الخيانة، ولا عن الصمت الطويل.
مع انطلاق الثورة السورية في مارس 2011، كانت دير الزور حاضرة منذ اللحظة الأولى. المظاهرات جابت شوارع المدينة، وبلغت ذروتها بتجمع أكثر من 300 ألف متظاهر يهتفون للحرية.
امتازت انطلاقة الحراك في المدينة بالوعي والتنظيم، فحرص شبابها على نظافة الشوارع وحراسة الأحياء بعد انسحاب أجهزة الأمن.
لكن النظام رد كعادته: بالقصف، والحصار، والاعتقال.
في الريف، كانت المشاركة أضعف نسبياً، باستثناء مناطق مثل البوكمال، القورية، موحسن، الميادين،الشحيل،والبصيرة. كما غاب عدد كبير من المثقفين عن الحراك الثوري، ما ترك فراغاً لاحقاً بعد تحوّل الثورة إلى العمل المسلح.
الريف كان أول من خرج عن سيطرة النظام. ومهّد الطريق نحو زمنٍ مختلف.

حين أطلّ عام 2012، كانت دير الزور تفتح عينيها على أملٍ جديد بعد تحرير أجزاء واسعة من ريفها من قبضة النظام. ببطء، كانت أعمدة الدولة تنهار، تتساقط حواجز الأمن كما تتساقط أوراق الشجر اليابسة في خريف الطغيان، وتنسحب الدبابات لتترك خلفها غباراً كثيفاً وخوفاً أقل. الناس خرجوا إلى الشوارع يهتفون للحرية، والثوار نظّموا أنفسهم ضمن كتائب متفرقة، حاولوا بناء مجالس محلية، إقامة محاكم مؤقتة، وسدّ الفجوة التي خلّفها انهيار النظام. لم تكن التجربة ناضجة، لكنها كانت صادقة.
لكن هذا الحلم الوليد ما لبث أن تعثر تحت وطأة الواقع.
فما إن بدأ النظام يتراجع، حتى بدأ الصراع على آبار النفط.
بعض الكتائب توجهت إلى المدينة لمساندة الثوار، وأخرى توجهت للسيطرة على الموارد.
انتشرت الحراقات البدائية، ومعها انتشرت الأمراض والكوارث البيئية.
أصبح النفط مصدر ثروة وسلاح، تتقاسمه فصائل وعشائر ومجموعات، يُباع ويُهرّب، لا من أجل الثورة، بل من أجل الاستمرار.
ومع كل ذلك، لم يكن الأسوأ قد أتى بعد.
في زوايا تلك اللحظة الوليدة، كانت ظلال جديدة تتسلل. لم يأتِ الخطر هذه المرة من قصر المهاجرين أو من فروع الأمن، بل من عمامة سوداء وخطاب ملتهب وراية مكتوب عليها لا إله إلا الله. دخلت جبهة النصرة إلى المشهد كمنقذ، كقوة منظمة تحترف الحرب وتتكلم لغة الجهاد.
قالوا: نحن ضد الأسد. جئنا نعينكم.
لكنهم كانوا يحملون في جعبتهم ثورة أخرى… لا تشبه ثورتنا.
حملوا شعارات الدين، لكن قلوبهم كانت تحمل مفاتيح السجون، لا مفاتيح النجاة. رحب بها كثيرون، لا حباً بها، بل كرهاً بالنظام. ومن أنهكته الحرب والخذلان، يمد يده أحياناً لمن يقدم له السلاح أو رغيف الخبز أو حتى شعوراً بالأمان.
النصرة بدأت صغيرة. عناصرها لم يتجاوزوا المئات في البداية، لكنهم كانوا منظمين، ممولين، ومدعومين بتكتيك متقن. استقطبوا الفصائل الصغيرة، وابتلعوها واحدة تلو الأخرى. استخدموا الترغيب: دعم مالي، ذخيرة، رواتب شهرية، ووعود بحكم إسلامي عادل. ومن لم يقبل، واجه الترهيب: تشويه السمعة، الإقصاء، وأحياناً التصفية. قادة في الجيش الحر اختفوا فجأة، والبعض قُتل في ظروف غامضة، والبعض الآخر انسحب بهدوء.
ولم يكن حضور النصرة عسكرياً فقط، بل فكرياً أيضاً. سيطروا على بعض المساجد، وفرضوا أئمتهم، وبدأ خطابهم يتسلل إلى العقول المتعبة. كانوا يتكلمون باسم الله، ويقدمون أنفسهم كجنود العقيدة، ضد الطغاة والفساد. وفي زمن انكسرت فيه رموز المدنية والحرية، بدا خطابهم لبعض الناس كطوق نجاة. من قال نحن بدنا دولة مدنية، اتهم بالكفر. من طالب بالعدالة والمساءلة، أصبح مشبوهاً. هكذا صعدت النصرة لا بالحرب فقط، بل بالتغلغل البطيء في الجسد المنهك.
لكن سراب العدل انقشع سريعاً. بدأ التضييق على الإعلاميين، أُغلقت مقار التنسيقيات، ثم أصبحت بعض الكلمات ممنوعة، والنقد خطيئة. ومع ذلك، بقيت النصرة الوجه المقبول للجهاد، مقارنةً بما سيأتي لاحقاً.
في مطلع 2014، جاء الزلزال. في ساعات قليلة، دون معارك تُذكر، استولت داعش على معظم ريف دير الزور. حدث ذلك كأن المدن والقرى سُلِّمت في ليلة ظلماء، لا أحد يقاوم، لا أحد يسأل. الكتائب بايعت، السلاح سُلِّم، والناس صُدمت. أين ذهب أولئك الذين أقسموا أنهم لن يركعوا إلا لله؟ كيف تفككت الثورة بهذه السهولة؟
لكن الحقيقة أن ما جرى لم يكن انكسارًا كاملاً بلا مقاومة. فقد دارت معارك شرسة بين الثوار وتنظيم داعش قبل أن يبسط سيطرته على كامل المحافظة، وكان لبعض عناصر جبهة النصرة دور فيها، تارة بالقتال وتارة بالتسليم. في مدينة البوكمال قاوم الثوار حتى الرمق الأخير، لكن بعد حصار خانق من كل الجهات سقطت المدينة في 5 تموز/يوليو 2014، يومٌ شهد أيضًا تسليم الميادين للتنظيم من قبل جبهة النصرة. أما موحسن، فكانت خاصرتها مكشوفة على جبهة المطار مع قوات الأسد، الأمر الذي جعل فتح جبهة أخرى مع داعش شبه مستحيل. ومع ذلك قاوم أبناؤها وأحرار المناطق المجاورة، رغم بيعة بعض مقاتليها للتنظيم.. حتى لحظة الانهيار فسقطت المدينة في الشهر السابع من 2014. وهذه الصورة من المقاومة الحرة، قبل لحظة السقوط، تقاس على معظم مناطق المحافظة.
وفي شرق الفرات، حيث النفط واللعنة، ارتكب داعش في صيف 2014 واحدة من أفظع المجازر، حين أباد المئات من أبناء عشيرة الشعيطات بعد تمردهم على سلطته في بلدات أبو حمام والكشكية وغرانيج. سبق المجزرة اتفاق هش بين الطرفين، سرعان ما انهار بعد مداهمةٍ نفذها التنظيم، فقُتل عناصره على يد الأهالي. رد داعش بوحشية، فأصدر فتوى تشرع إبادة العشيرة، واجتاح القرى الثلاث، مخلفاً أكثر من ألف شهيد، وآلاف المهجرين، ومجتمعات مدمرة بالكامل. تحول النفط إلى لعنة، وترك العالم الشعيطات لمصيرهم، فيما كانت قوات الأسد والميليشيات الإيرانية تراقب بصمت من الضفة المقابلة.
كانت مدينةٌ ميتة، خرجت من موت لتدخل في موتٍ آخر.
لم يكن الأمر مفاجئاً لمن راقب المشهد عن قرب. فالنصرة فتحت الطريق، ومهّدت لداعش. كانت الحرب قد أضعفت الجميع، والخوف من النظام دفع الثوار لتجاهل الخطر القادم من “الصفوف الإسلامية”، حتى كبر هذا الخطر وابتلع الثورة. والدير، التي قاومت طغيان البعث، وقعت تحت سطوة دولة الخلافة.
بدأ عهد جديد من الجحيم. رجال ملثمون، بعضهم لا يتحدث العربية، يحكمون باسم الخلافة. الجلد في الساحات، الإعدامات في الملاعب، السجون السرية،
النفط، الذي كان يوماً حلم أهالي دير الزور، صار مصدر قوت التنظيم. سيطر داعش على معظم الحقول: العمر، التنك، الجفرة. باع النفط للنظام أحياناً، ولتجّار في العراق وتركيا أحياناً أخرى. الأموال تدفقت، والسلاح تدفق، وأصبح التنظيم دولة داخل الدولة، بسلطته، ومحاكمه.
أهالي دير الزور عاشوا بين المطرقة والسندان: من جهة، النظام الذي قصفهم بالطائرات، ومن جهة أخرى، التنظيم الذي حوّل حياتهم إلى كابوس. المدينة المحاصرة صارت بلا دواء، بلا غذاء، بلا أمل. أطفال يموتون من الجوع، شباب يُجنّدون قسراً، وآباء يختفون في سجون التنظيم بلا أثر.
والمثقفون؟ الذين حلموا بسوريا مدنية، ديمقراطية؟ قُتل بعضهم، فرّ البعض، وصمت من بقي. ما عاد للثورة صوت، وما عاد للحرية مكان.
وفي الريف، لم تعد هناك ثورة. أصبحت مزارع النفط ملكاً لأمراء الحرب الجدد. الحراقات البدائية انتشرت، وسُمّ الفرات. الأرض احترقت، والسماء اسودّت، والأمل انطفأ.
وهكذا، تحولت دير الزور من قلعة للثورة، إلى قلعة سوداء. من ميدان للحناجر الحرة، إلى ساحة للمشانق. من أملٍ بالحرية، إلى درسٍ قاسٍ في كيف تُسرق الثورات.
لم تكن دير الزور بحاجة إلى دروس في الألم، لكنها تلقتها كلها دفعة واحدة. لم ترحمها البنادق مهما تلونت راياتها، ولم تحمِها الشعارات مهما ادعت القداسة. من نظام قمعها باسم الوطن، إلى تنظيمات قهرتها باسم الدين، سارت المدينة بين الخوف والخذلان، بين من صادر جسدها، ومن نهب روحها.
لكن المدن لا تموت، حتى إن بدا ذلك. تحت الركام، بقيت نبضات خفيفة، صلوات صامتة، وبقايا حلم عن سوريا الحرة. لم يُطفئها السواد، بل زادها عناداً. كانت تنتظر لحظة، شرارة، أو مجرد صدفة يفتح فيها الباب من جديد. ففي القلوب، بقي شيء صغير، لا تُطفئه النصرة ولا داعش: الحنين للثورة الأولى.

وهكذا، خرجت دير الزور من ليل الخلافة مثخنةً بالندوب، لتجد نفسها في صباحٍ آخر مقسومةً بين خرائط النفوذ، كأنها جسدٌ يكتب عليه الغزاة أسماءهم بأحبار مختلفة.

 

خرائط على جسد مدينة.

رحلة دير الزور مع العذاب لم تنتهِ عند النصرة. فما إن انسحبت الرايات السوداء الأولى حتى ارتفعت راية أشدّ سواداً، تحمل اسم داعش. كان العام 2014 بداية فصلٍ جديد من الجحيم، حيث لم تعد المدينة تقاس بالمسافة بين جسر وجسر، بل بين ساحة إعدام وأخرى، وبين بيتٍ خُتم بالشمع الأسود وآخر امتلأ بالغرباء. ومع كل يومٍ يمر، كانت المدينة تنكمش أكثر، وكأنها تُسحب من تحت أقدام أهلها لتُلقى في حفرةٍ بلا قرار.
منذ ذلك التاريخ صار اسم دير الزور مرادفاً للجوع، للحصار، للمجازر، للخذلان، وللخرائط التي تتغير على الورق أسرع من تغيّر ملامح الأطفال الذين يكبرون بين الركام. كان أهلها، الموزّعون بين حصار النظام وسوط داعش وقصف الطائرات، يعيشون في كونٍ موازٍ لا يشبه حياة الآخرين إلا بالاسم.

وهكذا دخلت المدينة حقبة أخرى من التيه، حيث كل قوة عابرة كانت تترك بصمتها من دمٍ ودمار، ولا أحد يسأل: ماذا تبقى من البشر خلف هذه الخرائط المتغيرة؟
وفي أواخر 2017، بدأ مشهد “التحرير” المزعوم. من الشمال والشرق اندفعت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وخاضت معارك شرسة في محاور العمر والكسرة حتى سيطرت على معظم شرق الفرات وحقوله النفطية الكبرى: العمر، التنك، كونيكو. ومن الغرب زحفت قوات النظام مدعومة بروسيا وميليشيات إيرانية وعراقية وحزب الله، وتمكّنت من كسر الحصار عن المدينة في سبتمبر 2017 بعملية عسكرية شاركت فيها “قوات النمر” والمدفعية الروسية. وفي الأثناء، كانت الطائرات تمطر المدينة بوابل من الغارات، لا تُفرق بين بيتٍ ومقر، ولا المدافع بين شارعٍ وخندق.
في أشهر قليلة، صارت دير الزور شظايا مدينة.. أحياء سويت بالأرض، جسور قُطعت وكأن المطلوب أن يبقى الفرات حاجزاً لا جسراً.
انتهت المعركة بخريطة جديدة: النهر صار حداً فاصلاً، شرقه تحت راية صفراء، وغربه تحت رايات متعددة الألوان لكنها كلها رايات سلطة غريبة عن الناس.
شرق الفرات أصبح بيد قسد، يشمل مدن وبلدات مثل الشدادي، البصيرة، الصور، أبو حمام، الكشكية، ذيبان، الحوايج، ومعها حقول النفط الأساسية.
أما غرب الفرات، فقد وقع في قبضة النظام، من مدينة دير الزور نفسها (الأحياء الغربية منها) إلى موحسن والميادين والبوكمال، حيث ترسّخ النفوذ الإيراني بقوة، خصوصاً في البوكمال، البوابة الاستراتيجية بين العراق وسوريا.
ليتحول جسد المحافظة إلى خريطة متصدعة، تتنازعها القوى كما تتنازع الأقلام مساحة الورق.
سقطت داعش عسكرياً، لكن أشباحها بقيت. من نجا من الموت خرج منهكاً، فاقداً للإيمان بأي وعد، غير قادر حتى على الفرح. لم تُرفع أعلام النصر، لم تُطلق الزغاريد، فقط أنينٌ تحت الركام وعيون تبحث عن مفقودين. لم يكن التحرير تحرراً. الوحش خرج، لكن مخالبه بقيت منغرسة في الحجر والبشر.
ومنذ 2019 وحتى سقوط الأسد، تابع المشهد دورانه في حلقة رمادية. قسد خاضت حملات متواصلة ضد خلايا داعش شرق النهر، بينما واصل النظام وحلفاؤه إحكام قبضتهم على الغرب، يرسمون حدود النفوذ على جسد المدينة كما تُرسم الخرائط على الورق.
لكنّ المعاناة لم تتوقف عند الدمار ولا عند الخرائط الجديدة. فقد صار الفرات نفسه جداراً، وعبوره مغامرة محفوفة بالمهانة والخطر. التنقل بين مناطق السيطرة أشبه برحلة في متاهة: حواجز تفتش الهوية كأنها تفتش الروح، رسوم مرور تُدفع مراراً، وأسئلة لا تنتهي عن الوجهة والغاية، وكأن المواطن الغريب في أرضه يحتاج إلى إذن ليزور قريته أو يعبر إلى جاره. على المعابر، يتساوى الانتظار مع الإذلال، ومن لم يملك المال أو الواسطة، قد يعود أدراجه أو يختفي في غياهب التحقيق.
ومع اختناق الاقتصاد وغياب فرص العمل، صار البقاء في دير الزور رهناً بحبال تمتد من الخارج. معظم من بقي يعتاش على حوالات يرسلها من هاجر أو نزح، مبالغ صغيرة لكنها شريان حياة.. من دونها لا رغيف على الطاولة ولا دواء في الصيدلية. حتى صارت الحوالة أهم من الراتب، والمغترب أهم من الموظف، والغربة أكثر حضوراً من الوطن.
لم تُفتح ملفات الانتهاكات، لم تُجرَ محاكمات، ولم يأتِ اعتذار. بعض رموز داعش المحليين حلقوا لحاهم وارتدوا البزات المدنية، وأصبحوا موظفين أو قادة في تشكيلات “مكافحة الإرهاب”. النفط بقي لعنة، يُنهب علناً على يد متنفذين جدد، والمعابر صارت أسواقاً سوداء يديرها أمراء حرب. التعليم غابة: مدارس مختلفة المناهج، معلمون متعددوا الولاءات، وطلاب لا يعرفون من الثورة إلا حكايات مشوشة يهمس بها الأهل. الصحة مشلولة، والنساء اللواتي خرجن من عباءة داعش اكتشفن أن الحرية لم تأتِ.. الأرامل بلا معيل، المفقودات بلا أثر، والمعيلات تحت رحمة مساعدات موسمية.
في الشوارع، الحياة تبدو كتمثيل باهت لما كانت عليه: محلات نصفها مهدم، أرصفة منهارة، أطفال يحملون الخبز كأنه كنز، ووجوه تتكلم همساً. لا أحد يسأل من يحكمنا؟ بل كيف نعيش؟ صار الصمت وسيلة نجاة، والنكات السوداء ملاذاً من الاختناق. حتى المساجد فقدت سكينتها.. كل دعاء صار مُشفراً، وكل إمام مشروع مخبر أو متهم.
ومع ذلك، وسط الركام، تتناثر مقاومة خفية. تظهر في همسات النساء حول مواقدهن، وفي خطوط ملونة يرسمها الأطفال على جدران مهدّمة، وفي شاب يعيد فتح دكانه بيدين متعبتين، وفي أغنية خافتة تتسلل من مذياعٍ صغيرٍ على حافة النافذة، تعبر الجدران المهدمة، تهمس في الأزقة الصامتة، وتذكّر من بقي بأن الحياة لم تنطفئ بالكامل، وأن بقايا النغم يمكنها أن تزرع الأمل حتى في أكثر الأيام سواداً. . هذه التفاصيل الصغيرة، لا بيانات الحكومات ولا وعود المجالس، هي التي تُبقي دير الزور حيّة. لقد خرجت من ظلام الخلافة إلى عتمة أخرى، لكنها لم تُسقط رأسها. كعادتها، تحاول النهوض من جديد، ولو على عكازين من ذاكرة الحرب وحاضرٍ بلا ملامح.

بعد سقوط داعش شرق الفرات وغربه، ومع سيطرة قسد والنظام على أجزاء مختلفة من المحافظة، بدأت دير الزور تدخل مرحلة جديدة من الصراع والتحدي، حيث لم يزُل الخراب من جسد المدينة ولا التمزق من نسيجها الاجتماعي، بل اكتسب شكلًا آخر، أكثر تعقيدًا، يفرض على أهلها التكيف مع خرائط السيطرة الجديدة، ومع ولاءات السلطة، وبين الحذر والأمل المكسور تبدأ دير الزور فصلها التالي، فصل الانتظار والمحاولة، في خضم ركام سنوات من الألم والخذلان.

-دير الزور تحت سماءٍ غائبةٍ.

تحت سماءٍ مثقلةٍ بالحذرِ، بدأت ديرُ الزورِ تتنفسُ ببطءٍ. ليست أنفاسَ ثورةٍ كما في البداياتِ، ولا هي صرخاتُ ألمٍ كما في أيامِ القصفِ والحصارِ، بل أنفاسٌ خافتةٌ، خفيةٌ، تتسللُ من بينِ حجارةِ المدينةِ، من المدارسِ، من الجوامعِ الصغيرةِ في الأطرافِ، من البيوتِ المغلقةِ التي لم تعد تُضيء أنوارها إلا حينَ تغيبُ الرقابةُ.
بعد انسحاب قوات النظام، سيطرت قوات سوريا الديمقراطية على المدينة لفترة قصيرة كونها الأقرب، لكنها انسحبت سريعاً، فاتحة الطريق لدخول قوات ردع العدوان. خرج الأهالي إلى الشوارع بعد سنوات من الغياب، وارتسمت على وجوههم ابتسامات مترددة، مخلوطة بدموع الفرح والحيرة. الأعلام رفعت، والزغاريد علت فوق البيوت المدمرة، وكان صوت الأطفال يملأ الأزقة، وكأن المدينة تستعيد الحياة برهةً قصيرة بعد طول صمت.
سقوطُ الأسدِ لم يكن حدثًا عادياً، بل لحظةً استثنائيةً شعرت بها دير الزورُ بأكملها. لم تكن الفرحةُ مجردَ زغاريدٍ، بل انفجارٌ عاطفيٌّ بعد عقدٍ من المعاناةِ والخوفِ والغيابِ. كان الناسُ يعرفون أن العالمَ لن يعود كما كان، وأن السلطةَ القادمة ستضع قواعدَ جديدةً، لكن على الأقل شعروا بأن مرحلةَ الظلمِ الطويلةِ قد انتهت، ولو مؤقتاً.
هيئةُ تحريرِ الشامِ، التي عرفها وخبرها أهالي دير الزورِ في بدايتها باسمِ “جبهةِ النصرةِ”، أعادت توضيبَ خطابها لتصبح مقبولةً دولياً.
كانت المدينةُ منهكةً، مسحوقةً تحت طبقاتٍ من الحصارِ، والخذلانِ، والخيبةِ.
في البدايةِ، بدا المشهدُ واعداً. الهيئة تحدثت عن “تحريرٍ بلا ثأرٍ”، وعن مشروعِ إدارةٍ مدنيةٍ تحفظ للناس كرامتهم ودينهم. لم يكن في الشوارعِ جنودٌ مقنعونَ كأيامِ داعش، بل موظفون ملتحونَ في مكاتبَ مرتبةٍ.
لكن هذا المشهدَ ما لبث أن بدأ يتشقق. فالهيئة، رغم ما لبسته من قناعٍ مدنيٍّ، لم تتخلَّ عن طبيعتها الأصليةِ: سلطةٌ تحتكر القرارَ. لم يكن لأهل المحافظة رأيٌ فيمن يعين في المحافظةِ، ولا في طبيعةِ القضاء الذي ينظر في نزاعاتهم. وكل التعيينات كانت من الموالين للهيئة أو من كوادرها، بل بعضهم من شبيحةِ النظامِ البائدِ، مُهملةً بذلك الكفاءاتِ المحليةَ والثوارَ الذين حلموا بإعادةِ بناءِ مدينتهم.
أسوأ ما في الأمر أن الناس لم يعد لديهم مساحة للرفض. من أنهكته سنوات المقاومة لم يجد قوة للاحتجاج، ومن جرب سجون النظام ثم مقاصل داعش، شعر أن كل يوم هو اختبار جديد للصبر والنجاة، وأن كل لحظة تحمل ثقل الخوف بصمتها الخاص. حتى الشبان الذين ثاروا يومًا على الأسد صاروا الآن يحلمون فقط بالحفاظ على ما لديهم: وظيفة، رغيف خبز، والتنقل عبر أيامهم بحذر داخلي، كظل يلاحقهم بلا توقف، وكأن المدينة نفسها تراقب خطواتهم بصمتٍ صارم.
بعد التحرير، ظن الكثيرون من أهالي دير الزور أن قوات ردع العدوان ستتجه مباشرةً إلى القسم الشرقي من المحافظة لتحريرها بالكامل ومحاربة قسد، لتعود المدينةُ ووادي الفرات إلى وحدةٍ حقيقيةٍ تجمع شرقها بغربها. لكن الواقع كان مختلفاً. الحكومةُ الجديدة لم تكن بوارد خوض معركةٍ مع قسد.. فالشرع، قبل غيره، يٌدرك أن مواجهةً طويلةً ستستنزف كل القوى المتاحةِ، وأن الأهم بالنسبة له هو تثبيت الحكم والسيطرة، لا لم شمل المحافظة.
كان هذا الخذلان بمثابة صدمةٍ أخرى لأهل المحافظة. فقد اعتقدوا أن سقوط الأسد يعني بداية استعادة حقوقهم ووحدتهم، لكن ما حدث هو أن الحلم بتوحيد دير الزور ظل معلقاً، وكأن المحافظة ما زالت غريبةً عن نفسها، وكأن قيادتها الجديدة لا ترى إلا مصالح السلطة، متجاهلة النسيجَ الاجتماعيَّ والتطلعاتِ الحقيقية لسكانها.
لكن الصورة في الداخل كانت أكثر تعقيدًا مما يظهر في السرد العام. فلم يكن جميع الأهالي سواءً. فهناك من وجد في السلطة الجديدة خلاصاً بعد سنين الخوف، فآمن بها ودافع عنها دون تردد. وهناك من وقف متوجساً، يترقب بقلقٍ ما ستؤول إليه الأمور. أما الطرف الثالث، فهم أولئك الذين أنهكتهم التجارب المتتالية من ظلمٍ واستبداد، فظلوا يرفعون الصوت خافتاً، لا تأييداً مطلقاً ولا صمتاً كاملاً، بل رفضاً داخلياً لما يجري وتشبثاً بحقهم في مستقبلٍ مختلفٍ.
مرت تسعة أشهر منذ سقوط النظام، لكن دير الزور لا تزال تتنفس بصعوبةٍ. لا رائحةَ النصرِ تملأ صدورَ الناس، ولا نكهةَ الحريةِ كما كانوا يحلمون بها. لا شيء يشي بأن القيد قد انكسر حقاً، سوى صور الأسد التي أُزيلت من على الجدران، وحواجز المخابرات التي غابت لتحل مكانها نقاطُ تفتيشٍ بلباسٍ مختلفٍ، ولهجةٍ أخرى، وأسلوبٍ أكثر التواءً. لا أحد فيهم يُشبه الدولة التي نادى بها الناس حين هتفوا: للحرية والكرامة “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”.
في دوائر المحافظةِ، لا تُقضى معاملاتُ الناسِ بالأنظمة والقوانينِ، ورغم بعض التحسّن في المعاملة هنا وهناك، إلا أنَّ الانحيازَ للمعارفِ والأقاربِ ما زال يحدد من يصل ومن يتأخر، تاركاً شعوراً بالظلمِ ممتداً في النفوسِ.
المدارس؟ بعضها مفتوحٌ بأربعةِ جدرانٍ وسقفٍ من أحلامٍ مهترئة. المعلّمون بلا رواتب منتظمة، والطلاب يحفظون جغرافيا السلطة أكثر من جغرافيا البلاد. أما المشافي، فقصصها مرعبةٌ. المستوصفات متهالكةٌ، والمستشفيات بلا أدويةٍ ولا أجهزةٍ كافيةٍ. مصابو الحرب ما زالوا ينتظرون عملياتٍ مؤجلةٍ، والنساء يلدن في غرفٍ بلا تعقيم. وفي كل صباحٍ، يُسجل مريضٌ جديدٌ بسرطان الرئة أو الكبد، جراء الدخان الأسود الذي ظلّ يلاحقهم حتى بعد أن خمدت الحراقات وتوقفت.
وفي الريف، الحكاية مختلفةٌ. صحيح أن المدارس إما غير موجودةٍ أو مهدمةٍ، والمراكز الصحية مجرد لافتاتٍ، لكن الناس ظلوا أقدر على تدبر معيشتهم مما هو عليه الحال في المدينة. الأرض ما زالت تمنحهم شيئاً من قوتهم.
الدولةُ ظاهرةٌ، لكنها متشابكةٌ مع شبكةٍ معقدةٍ من الولاءاتِ والمحسوبياتِ العابرةِ للعشائرِ والحدودِ.
ومع ذلك، لم تخلُ المحافظة من محاولاتٍ صغيرةٍ لإعادةِ الحياةِ. فقد بادر بعض الأهالي، بالتعاون مع رجال الدفاع المدني، إلى تنظيف الشوارع وإزالة الأنقاض، وجُمعت تبرعاتٌ محليةٌ لإعادة تأهيل بعض المشافي والمراكز الصحية المهدمةِ. مبادراتٌ متواضعة، لكنها حملت في طياتها معنىً عميقاً: أن الناس، رغم التعب والانكسار، لم يفقدوا تماماً قدرتهم على الفعل، وأن في داخل الركام بقيت جذوةُ حياةٍ تحاول أن تشتعل من جديد.
وإلى جانب كل ذلك، تتجلى خيبةُ أملٍ أخرى أكثر عمقاً: فدير الزور غائبةٌ حتى عن مذكراتِ التفاهمِ والمشاريعِ الحكومية المعلنةِ. المدن الأخرى تُذكر في الاتفاقيات على أنها مواقع إعادة إعمار أو استثمار أو تطوير، بينما اسم دير الزور يتوارى، كأنها ليست جزءاً من الخريطة. وكأن دماء أبنائها، وأنقاض أحيائها، وصبر نسائها، لا تكفي لتمنحها مقعداً على طاولةِ القراراتِ. هذا النسيان المتعمد بدا للناس أكثر إيلاماً من ركام بيوتهم، لأنه يعني أن مدينتهم ما زالت خارج الوعي الوطني والسياسي، حتى بعد أن سقط من كانوا سبب مأساتها.
ثمّة من يقول إن المرحلة صعبةٌ، وإن البلاد تنهض من ركام، وإن الأمور ستتحسن. لكن ماذا عن هذه السنواتِ العشرِ التي ذهبت؟ ماذا عن الذين ماتوا؟ عن الذين شُردوا، عن المدن التي مُسحت عن وجه الأرض، وعن نساءٍ ينتظرن أبناءً لن يعودوا؟ هل تُقاس النهايات بالنية الحسنة فقط؟
أما المثقفون، الذين كان يُفترض أن يكونوا صوت الناس وعينهم، فقد غاب معظمهم. بعضهم اختار الصمت، خوفاً من تصنيفه خائناً أو مناهضاً للثورة. وبعضهم الآخر فضّل الانخراط في خطاب السلطة الجديدة. وقلّة قليلة بقيت مترددةً بين كلمتهم ولقمةِ عيشهم، معلقةً على حبالِ الخوف. حتى أن بعض الشعراء والكتّاب الذين حملوا يوماً حلم الحرية، وجدوا أنفسهم صامتين أو بعيدين عن المشهد، كأن الثقافة هي الأخرى غادرت المدينة.
ومن بقي يحاول الكتابة، فلا يجد منبراً، أو يجد نفسه في مواجهة جيل جديد لا يريد الاستماع، بل ينتظر أوامر جديدة من سلطة جديدة.
في خضم هذا الصمت، حاول عددٌ من المثقفين والشخصيات المحلية لفت النظر إلى مأساة المحافظة، فوقعوا على بيان تحت عنوان “البيان الوطني لأبناء دير الزور” موجه إلى الرئيس أحمد الشرع، يعكس قلقهم العميق من الإقصاء والفساد وسوء الإدارة، ومن حرصهم على حقوق المواطنين في الماء والكهرباء والتعليم والصحة، وعلى إشراك الكفاءات المؤهلة بعيداً عن الولاءات والمحسوبيات. بعض الناس دعموه، وآخرون اختلفوا معه، لكن الرسالة بقيت صامتة، كما لو أن دير الزور نفسها لم تكن تسمع. لم تلقَ هذه المحاولة أي اهتمام، وبقي البيان شاهداً على محاولة لاستدعاء الانتباه إلى واقعٍ لم يعد أحد يرغب في سماعه.
النساءُ في دير الزور يحملن العبء الأكبرَ. أمهاتٌ وزوجاتٌ وبناتٌ، يواجهن الحياة بلا سندٍ حقيقي. بعضهن يعملن في الخفاء ليعشن، بعضهن يطبخن على نار الخوف، ويعلمن أولادهن الصبر بدل القراءة. ومع ذلك، تجد في وجوههن بريقاً خافتاً يشبه الأمل، لكنه لا يشبهه تماماً. وما زلن يحاولن رسم حياةٍ صغيرةٍ وسط الخراب، ابتسامةً هنا، كلمةً طمأنةً هناك، وكأنهن آخر خيطٍ يربط الناس بالمعنى البسيط للإنسانية.

رغم الركام، تبقى دير الزور حاضرةً، مكسورةَ الظهرِ لكن لم تنكسر، كجسدٍ يئنُّ لكنَّه لا يستسلمُ.
في زواياها، يركضُ الأطفالُ بينَ الحجارةِ، ويحلمُ الشبانُ بما تبقّى من أيامِهم، وتستمرُّ النساءُ في نسجِ حياةٍ صغيرةٍ من بينِ الأنقاضِ.
أصواتٌ خافتةٌ تتسللُ من الجدرانِ المهدمةِ، أغنيةُ طفلٍ، همسةُ أمٍّ، خطوطُ ألوانٍ على حيٍّ قديمٍ، كلُّ ذلك يهمسُ بأنَّ الحياةَ لم تنطفئْ بعدُ.
الخرابُ كان عميقًا، والخِذلانُ طويلاً، والخرائطُ المتغيرةُ قسمت الأرضَ والناسَ، لكن المدينةَ نفسها لم تختفِ.
هي شاهدةٌ على الألمِ، لكنها أيضاً شاهدةٌ على مقاومةٍ صغيرةٍ، على بقاءِ جذوةِ الحياةِ في قلبِ الظلامِ.
كأنها نجمةٌ ضائعةٌ في كونٍ بعيدٍ، منسيةٌ، مظلومةٌ، مستباحةٌ، لكنها ما زالت هناك، تهمسُ بصوتٍ خافتٍ: ما زلنا هنا، وما زال لنا مستقبلٌ.
مستقبلٌ ينبعُ من إرادةِ الأحياءِ، من مقاومةٍ صغيرةٍ لكنها مستمرةٌ، من قلوبٍ لم تفقدْ القدرةَ على الأملِ.
وهكذا، تظلُّ دير الزور حيةً، رغم كلِّ الخرابِ، رغم كلِّ الصمتِ، رغم كلِّ الخرائطِ… حيةً، تنتظرُ فصلَها التالي، فصلَ الصبرِ، الفصلَ الذي يكتبُ فيه أهلُها بأنفسِهم قصةَ النجاةِ والحياةِ.