بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في التسعينيات، وجدت روسيا نفسها أمام تجربة قاسية: دولة كبيرة أُعيد اختراعها من الرماد، لكن دون توازن بين السلطة والمجتمع. يوضح الكاتب الروسي ديميتري بريجغ في مقاله كيف أدى اعتماد {النظام السوبر رئاسي} إلى تركيز كل السلطات في يد الرئيس، وتحويل الدستور إلى أداة شخصية، وإضعاف البرلمان والقضاء، بينما سيطرت أوليغارشية على الاقتصاد والإعلام. النتيجة كانت دولة تبدو ديمقراطية على الورق، لكنها محكومة فعلياً برجل واحد، واختفى الحيز السياسي للمجتمع، وضاعت فرصة بناء مؤسسات قوية عادلة.
محور مقال ديمتري هو تحذير السوريين من الوقوع في الفخ ذاته: الانبهار بفكرة {الرئيس المنقذ} الذي يعد بالاستقرار، لكنه في الواقع يغلق الأفق السياسي ويعيد إنتاج الاستبداد بثوب جديد.هذا التحليل يشكل تحذيراً مباشراً لسوريا: مغامرة الاعتماد على {الرئيس المنقذ} قد تحول الثورة إلى مجرد تفويض مفتوح، يعيد إنتاج الفوضى والاستبداد باسم الأمن والإعمار. كل خطوة نحو تركيز السلطة في يد شخص واحد تحمل معها احتمال انهيار المؤسسات المدنية، واستحواذ شبكات مصالح على الاقتصاد والموارد العامة، كما حدث في روسيا بعد التسعينيات.
إلى جانب التجربة الروسية، يقدم العراق بعد 2003 مثالاً آخر على ما يمكن أن يحدث عند انهيار الدولة المركزية بشكل كامل. بعد سقوط النظام، انقسمت السلطة بين الطوائف والأحزاب المسلحة، وظهرت ميليشيات وأمراء حرب يسيطرون على المرافئ وحقول النفط والمعابر الحدودية. الاقتصاد أصبح ريعياً وفاسداً، والمؤسسات عاجزة عن حماية المواطنين. هذا النموذج يوضح أن انهيار الدولة يمكن أن يولد صراعات على النفوذ والمصالح الخاصة، بدلاً من بناء مؤسسات ديمقراطية قوية وفاعلة.
في سوريا اليوم، وبعد عشرة أشهر على سقوط نظام الأسد، يظهر تهديد مزدوج: السلطة مركزة فعلياً في يد الرئيس والمقربين منه، حيث تُختزل كل السلطات باسم استعادة الأمن والإعمار، وفي الوقت نفسه يوجد انقسام إداري وعسكري داخلي قائم بالفعل، يشبه بعض تجارب العراق، حيث تتنافس القوى المتنفذة على المرافئ والحقول والمعابر، وتتقاطع مصالح رجال الأمن وأمراء الحرب وتجار الإعمار. وإلى جانب ذلك، تسيطر قسد على مناطق الجزيرة السورية بما فيها من حقول النفط والغاز، بينما لا تسير المفاوضات معها على أحسن ما يرام، فيما تشهد السويداء وضعاً خاصاً يزيد المشهد تعقيداً. هذه التركيبة تجعل البلاد عرضة لمزيد من الانقسام، وتهدد أي مشروع لبناء الدولة الجديدة بالهشاشة والاستحواذ من قبل مجموعات ضيقة من المتنفذين.
الواقع السوري الحالي يظهر هشاشة المؤسسات، وضعف المؤسسات القضائية، وانتشار الاقتصاد الريعي والمصالح الخاصة، وتزايد دور القوى العسكرية المحلية في إدارة الموارد. وإضافة إلى ذلك، فقد سعت السلطة المؤقتة منذ التحرير بشكل حثيث لاسترضاء الخارج للحصول على الاعتراف بها، متجاهلة القوى والشخصيات الوطنية، أي أنها اهتمت بالخارج وأهملت الداخل. هذه العوامل تجعل من الضروري أن يقوم أي مشروع للدولة على أساس عقد اجتماعي يوزع السلطة أفقياً ورأسياً، ويضمن رقابة القانون على الجميع، حتى لا يتحول أي رئيس أو زعيم عسكري إلى محتكر للسلطة، ويستولي على مؤسسات الدولة لتحقيق مصالحه الشخصية.
الدرس الأعمق للسوريين هو أن بناء الدولة لا يقوم على {الرئيس المنقذ} ولا على أي تحالف مؤقت للمصالح، بل على مؤسسات مستقلة وشفافة:
-البرلمان والمجالس المحلية يجب أن يكونوا أدوات رقابة حقيقية، لا واجهات شكلية، ويشارك المواطنون في صنع القرار.
-القضاء المستقل ضرورة قصوى لحماية الحقوق ومساءلة الفاسدين، بعيدًا عن أي تدخل رئاسي أو أمني.
-الإدارة الاقتصادية والمالية يجب أن تكون شفافة، مع قوانين صارمة للمنافسة والمحاسبة، لتجنب استحواذ مجموعات خاصة على موارد الدولة.
-الإعلام المستقل والتحقيقي ضروري لكشف الفساد والصفقات قبل أن تتحول الدولة إلى أداة لنهب الموارد.
-إصدار قانون عصري للأحزاب يضمن حرية تأسيسها ونشاطها السياسي، ويمنع احتكار السلطة من حزب واحد أو قوى متنفذة، مع آليات شفافة للتمويل والرقابة، بحيث تكون الأحزاب أدوات للتنافس الديمقراطي الحقيقي لا مجرد واجهات.
-عدالة انتقالية حقيقية لضمان محاسبة جميع الأطراف ومنع الإفلات من العقاب، وحماية حقوق الضحايا.
تجربة روسيا والعراق تُظهر أن غياب هذه المبادئ يؤدي إلى ولادة أنظمة مركزة أو متفتتة، حيث يستغل القوي ضعف المؤسسات لتثبيت نفوذه. في سوريا، هناك فرصة نادرة لتجنب هذه المصير، لكن الوقت محدود: أي تأجيل في بناء مؤسسات حقيقية وموثوقة سيعني أن الثورة تتحول إلى مجرد ذكرى، وأن السلطة في الواقع تسير في اتجاه مصالح ضيقة، مع ما يترتب على ذلك من فوضى وفساد وتفتت اجتماعي.
الاستقرار المؤقت بدون مؤسسات قوية هو استقرار وهمي ينقلب إلى فوضى بمجرد أول أزمة.
الدرس الأخير واضح: الدستور والمؤسسات المدنية يجب أن تحمي المجتمع من الدولة، لا أن تكون أدوات بيد أي فرد أو مجموعة. وحدها هذه الصيغة قادرة على منع ولادة نسخة سورية من “يلتسين” أو “بريمر”، وتضمن أن تكون السلطة موزعة بشكل يوازن بين الجميع، ويحول دون أن تصبح البلاد رهينة لشبكات مصالح محدودة.
يبقى السؤال: هل ستستوعب السلطة هذا الدرس، أم أننا سنساق مرة أخرى إلى إعادة إنتاج الاستبداد بوجه جديد؟
سوريا أمام فرصة نادرة للعبور من الحرب إلى السلام عبر مؤسسات قوية وعدالة انتقالية، قبل أن تبتلعها تجربة أخرى مستنسخة من تجارب روسيا أو العراق. الوقت لصياغة عقد اجتماعي جديد، قبل أن تضيع كل الفرص في دوامة استبداد ومصالح متقاطعة، ولتظل الثورة رمزاً للمواطنة والعدالة، لا مجرد ذكرى على جدران القصور.
روسيا والعراق: دروس لسوريا المقبلة
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في التسعينيات، وجدت روسيا نفسها أمام تجربة قاسية: دولة كبيرة أُعيد اختراعها من الرماد، لكن دون توازن بين السلطة والمجتمع. يوضح الكاتب الروسي ديميتري بريجغ في مقاله كيف أدى اعتماد {النظام السوبر رئاسي} إلى تركيز كل السلطات في يد الرئيس، وتحويل الدستور إلى أداة شخصية، وإضعاف البرلمان والقضاء، بينما سيطرت أوليغارشية على الاقتصاد والإعلام. النتيجة كانت دولة تبدو ديمقراطية على الورق، لكنها محكومة فعلياً برجل واحد، واختفى الحيز السياسي للمجتمع، وضاعت فرصة بناء مؤسسات قوية عادلة.
محور مقال ديمتري هو تحذير السوريين من الوقوع في الفخ ذاته: الانبهار بفكرة {الرئيس المنقذ} الذي يعد بالاستقرار، لكنه في الواقع يغلق الأفق السياسي ويعيد إنتاج الاستبداد بثوب جديد.هذا التحليل يشكل تحذيراً مباشراً لسوريا: مغامرة الاعتماد على {الرئيس المنقذ} قد تحول الثورة إلى مجرد تفويض مفتوح، يعيد إنتاج الفوضى والاستبداد باسم الأمن والإعمار. كل خطوة نحو تركيز السلطة في يد شخص واحد تحمل معها احتمال انهيار المؤسسات المدنية، واستحواذ شبكات مصالح على الاقتصاد والموارد العامة، كما حدث في روسيا بعد التسعينيات.
إلى جانب التجربة الروسية، يقدم العراق بعد 2003 مثالاً آخر على ما يمكن أن يحدث عند انهيار الدولة المركزية بشكل كامل. بعد سقوط النظام، انقسمت السلطة بين الطوائف والأحزاب المسلحة، وظهرت ميليشيات وأمراء حرب يسيطرون على المرافئ وحقول النفط والمعابر الحدودية. الاقتصاد أصبح ريعياً وفاسداً، والمؤسسات عاجزة عن حماية المواطنين. هذا النموذج يوضح أن انهيار الدولة يمكن أن يولد صراعات على النفوذ والمصالح الخاصة، بدلاً من بناء مؤسسات ديمقراطية قوية وفاعلة.
في سوريا اليوم، وبعد عشرة أشهر على سقوط نظام الأسد، يظهر تهديد مزدوج: السلطة مركزة فعلياً في يد الرئيس والمقربين منه، حيث تُختزل كل السلطات باسم استعادة الأمن والإعمار، وفي الوقت نفسه يوجد انقسام إداري وعسكري داخلي قائم بالفعل، يشبه بعض تجارب العراق، حيث تتنافس القوى المتنفذة على المرافئ والحقول والمعابر، وتتقاطع مصالح رجال الأمن وأمراء الحرب وتجار الإعمار. وإلى جانب ذلك، تسيطر قسد على مناطق الجزيرة السورية بما فيها من حقول النفط والغاز، بينما لا تسير المفاوضات معها على أحسن ما يرام، فيما تشهد السويداء وضعاً خاصاً يزيد المشهد تعقيداً. هذه التركيبة تجعل البلاد عرضة لمزيد من الانقسام، وتهدد أي مشروع لبناء الدولة الجديدة بالهشاشة والاستحواذ من قبل مجموعات ضيقة من المتنفذين.
الواقع السوري الحالي يظهر هشاشة المؤسسات، وضعف المؤسسات القضائية، وانتشار الاقتصاد الريعي والمصالح الخاصة، وتزايد دور القوى العسكرية المحلية في إدارة الموارد. وإضافة إلى ذلك، فقد سعت السلطة المؤقتة منذ التحرير بشكل حثيث لاسترضاء الخارج للحصول على الاعتراف بها، متجاهلة القوى والشخصيات الوطنية، أي أنها اهتمت بالخارج وأهملت الداخل. هذه العوامل تجعل من الضروري أن يقوم أي مشروع للدولة على أساس عقد اجتماعي يوزع السلطة أفقياً ورأسياً، ويضمن رقابة القانون على الجميع، حتى لا يتحول أي رئيس أو زعيم عسكري إلى محتكر للسلطة، ويستولي على مؤسسات الدولة لتحقيق مصالحه الشخصية.
الدرس الأعمق للسوريين هو أن بناء الدولة لا يقوم على {الرئيس المنقذ} ولا على أي تحالف مؤقت للمصالح، بل على مؤسسات مستقلة وشفافة:
-البرلمان والمجالس المحلية يجب أن يكونوا أدوات رقابة حقيقية، لا واجهات شكلية، ويشارك المواطنون في صنع القرار.
-القضاء المستقل ضرورة قصوى لحماية الحقوق ومساءلة الفاسدين، بعيدًا عن أي تدخل رئاسي أو أمني.
-الإدارة الاقتصادية والمالية يجب أن تكون شفافة، مع قوانين صارمة للمنافسة والمحاسبة، لتجنب استحواذ مجموعات خاصة على موارد الدولة.
-الإعلام المستقل والتحقيقي ضروري لكشف الفساد والصفقات قبل أن تتحول الدولة إلى أداة لنهب الموارد.
-إصدار قانون عصري للأحزاب يضمن حرية تأسيسها ونشاطها السياسي، ويمنع احتكار السلطة من حزب واحد أو قوى متنفذة، مع آليات شفافة للتمويل والرقابة، بحيث تكون الأحزاب أدوات للتنافس الديمقراطي الحقيقي لا مجرد واجهات.
-عدالة انتقالية حقيقية لضمان محاسبة جميع الأطراف ومنع الإفلات من العقاب، وحماية حقوق الضحايا.
تجربة روسيا والعراق تُظهر أن غياب هذه المبادئ يؤدي إلى ولادة أنظمة مركزة أو متفتتة، حيث يستغل القوي ضعف المؤسسات لتثبيت نفوذه. في سوريا، هناك فرصة نادرة لتجنب هذه المصير، لكن الوقت محدود: أي تأجيل في بناء مؤسسات حقيقية وموثوقة سيعني أن الثورة تتحول إلى مجرد ذكرى، وأن السلطة في الواقع تسير في اتجاه مصالح ضيقة، مع ما يترتب على ذلك من فوضى وفساد وتفتت اجتماعي.
الاستقرار المؤقت بدون مؤسسات قوية هو استقرار وهمي ينقلب إلى فوضى بمجرد أول أزمة.
الدرس الأخير واضح: الدستور والمؤسسات المدنية يجب أن تحمي المجتمع من الدولة، لا أن تكون أدوات بيد أي فرد أو مجموعة. وحدها هذه الصيغة قادرة على منع ولادة نسخة سورية من “يلتسين” أو “بريمر”، وتضمن أن تكون السلطة موزعة بشكل يوازن بين الجميع، ويحول دون أن تصبح البلاد رهينة لشبكات مصالح محدودة.
يبقى السؤال: هل ستستوعب السلطة هذا الدرس، أم أننا سنساق مرة أخرى إلى إعادة إنتاج الاستبداد بوجه جديد؟
سوريا أمام فرصة نادرة للعبور من الحرب إلى السلام عبر مؤسسات قوية وعدالة انتقالية، قبل أن تبتلعها تجربة أخرى مستنسخة من تجارب روسيا أو العراق. الوقت لصياغة عقد اجتماعي جديد، قبل أن تضيع كل الفرص في دوامة استبداد ومصالح متقاطعة، ولتظل الثورة رمزاً للمواطنة والعدالة، لا مجرد ذكرى على جدران القصور.