في اللحظة التي بدأت فيها سوريا تخرج من ليلٍ طويل امتد أربعة عشر عاماً، وتتعلم من جديد الوقوف على قدميها بعد سقوط نظام حكمٍ أثقلها عقوداً، ظهر انزعاجٌ جليّ لدى إسرائيل، لم يكن مرتبطاً بخشيتها من قوة عسكرية سورية مفترضة—فهذا هاجسٌ لا مكان له في الحسابات الواقعية—بل من احتمال أن تستعيد دمشق إيقاع الحياة، وأن تنفض غبار الحرب، وأن تعود بلداً يمكنه أن يعيش لا أن ينهار. هنا، في هذا المفصل تحديداً، يتبدّى جوهر المسألة: ليست المشكلة في صاروخٍ قد ينطلق ولا في معركةٍ قد تنشب، بل في فكرة أن سوريا قد تستعيد قدرتها على النمو، وأن تعود رقماً صعباً في معادلة المنطقة بمجرد أن تتنفس استقراراً.

فمنذ بداية مرحلة إعادة التأهيل، ومع أولى الإشارات إلى انفتاح اقتصادي محتمل ورفعٍ تدريجي للعقوبات واهتمام شركات غربية—بعضها أميركي—بالاستثمار في مشاريع واسعة، بدا أن التحول السوري لا يعجب تل أبيب. ليس لأن هذه الاستثمارات ستُحوّل سوريا إلى قوة صاروخية خلال ليلة، بل لأنها تعني شيئاً أبسط وأكثر خطورة بالنسبة إلى منطق الهيمنة: بلداً مستقراً لا يمكن العبث بحدوده ولا بمستقبله بسهولة. بلدٌ يدخل فيه رأس المال الضخم لا يبقى مجالاً مفتوحاً للصدمات، لأن المستثمر حين يضع حجراً في أرضٍ ما، يصبح أكثر تمسكاً باستقرارها من تمسك أهلها أحياناً. وهذا وحده كافٍ لتفهم لماذا تشعر إسرائيل بأن المشهد يتغير ضد رغبتها.

من هنا يمكن فهم التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري خلال الأشهر الأخيرة. لم تكن رسائل قوة بقدر ما كانت محاولة لإعادة تكريس صورة سوريا المهشّمة، الدولة التي يمكن إرباكها بضربة، وإعادتها إلى مربع القلق كلما حاولت أن تلتقط أنفاسها. فإسرائيل تخشى سوريا الهادئة أكثر مما تخشى سوريا المسلحة، لأن الأولى تُعيد رسم الجغرافيا السياسية بطريقة تعقد أحلام التوسع، بينما الثانية تبقى ساحة مفتوحة يمكن التحكم بإيقاعها عبر الضربات المتقطعة.

سوريا اليوم ليست دولة مستعدة للحروب، لا رغبة ولا قدرة. البلاد منهكة، تبحث عن لملمة الإنسان قبل إعادة بناء الحجر، وعن تضميد الروح قبل تعبيد الطرق. هذا الإدراك بات جزءاً من الوعي الرسمي والشعبي على حدّ سواء: لم تعد المعركة خارج الحدود، ولا يوجد في الأفق مشروع صدام مع أحد. المعركة الحقيقية تدور في العمق: كيف تُعاد صياغة بلد خرج نصفه من الرماد ونصفه الآخر من الصدمة. وكيف تستعاد الثقة، وكيف يعود الإنسان إلى الحياة قبل أن يعود الحجر إلى مكانه. ولهذا دمشق تؤكد في كل مناسبة أن معركتها داخلية، وأن إعادة الإعمار ليست مشروعاً اقتصادياً فحسب، بل مهمة تاريخية لإعادة ترميم مجتمعٍ نجا من الانهيار.

في المقابل، يبدو أن إسرائيل تقرأ هذا الهدوء بوصفه تهديداً. تعافي سوريا يعني نهاية “الفجوة الاستراتيجية” التي استفادت منها إسرائيل طوال السنوات الماضية. ويعني أيضاً أن الخارطة التي حلمت برسمها على أجنحة الاضطراب ستبدأ بالتلاشي. فمن ينظر إلى المشهد يدرك أن البلاد الذاهبة نحو التعافي لا تمنح خصومها الذرائع ولا تتيح لهم مساحات التمدد. وهي بذلك تضع حدوداً جديدة لميزان القوى، حدوداً لا تقوم على ترسانة سلاح، بل على إمكانية حياة مستقرة، وهذا ما تخشاه تل أبيب ربما أكثر من أي سيناريو عسكري. ازدهار سوريا يعني انتهاء مرحلة الفجوة التي استفادت منها، ويعني أيضاً أن مشروع “جغرافيا مفتوحة” لن يبقى متاحاً كما كان.

الفكرة هنا ليست درامية: سوريا القادرة على الحياة تغدو ثقيلة الحضور، حتى لو كانت بلا جيشٍ ضخم ولا ترسانة صاروخية. الاستقرار وحده يعيد رسم خرائط النفوذ. وهذا ما تعرفه إسرائيل جيداً، هي لا تريد سوريا قوية، ولا حتى سوريا محايدة؛ تريد سوريا معلّقة في الهواء، دولة بلا وزن سياسي، بلا مركز ثقل، بلا استقرار يكسر قواعد اللعبة القديمة. فإذا عاد الاستقرار، عاد التأثير. وإذا عاد التأثير، اضطربت الحسابات. وإذا اضطربت الحسابات، انكسرت فكرة “الحديقة المشتعلة” التي رتّبت إسرائيل أمنها ضمنها لسنوات طويلة. لذلك تحاول دفع سوريا إلى البقاء في منطقة بين الحرب والسكون، بين التعافي والانهيار، بحيث لا تستقر تماماً ولا تسقط نهائياً. تريدها ضعيفة بما يكفي لعدم التقدم، وقائمة بما يكفي لعدم الانهيار الكامل. تريد بلداً حيّاً ولكن بلا مستقبل.

لكن الواقع يقول إن سوريا—برغم ضعفها—تمتلك اليوم فرصة تاريخية. فرصة لأن تتحول من ساحة حرب إلى فضاء بناء. من جرح مفتوح إلى جغرافيا تتلمس الضوء. وإذا اكتمل هذا التحول، فلن يكون تأثيره عاطفياً أو رمزياً فقط، بل سيغيّر إيقاع المنطقة كله. فبلد ينهض من الرماد يكتسب حصانة جديدة ضد العبث، ويصبح أكثر قدرة على حماية حدوده ومصالحه، فإعادة الإعمار ليست مجرد إسمنت وحديد؛ إنها إعادة هندسة للخيال السوري. إعادة تعريف للبلد بوصفه مساحة للعيش، لا ساحة صراع. وهذا ما يجعل مرحلة البناء أخطر بكثير من مرحلة الحرب: لأن الحرب تُنهك، أما البناء فيُثبّت. والحاضر الذي يثبّت نفسه، ولو ببطء، يصنع مستقبلًا أقل عرضة للتلاعب.

وهذا بالضبط هو ما لا يناسب إسرائيل. فنهضة سوريا تعني نهاية مشروع التفتيت الذي تُراهن عليه منذ عقود. تعني أن الخارطة تتماسك مرة أخرى. تعني أن الطريق البرّي بين الشرق المتوسط والعمق الآسيوي قد يعود للعمل. تعني أن شوكة سياسية وجغرافية كانت مكسورة بدأت تستقيم. تعني أن المساحة التي كانت لسنوات غرفة عمليات مفتوحة، تصبح دولة ذات وزن، لها مصالح، ولها شركاء اقتصاديون كبار يكرهون الفوضى. والاستقرار هنا لا يعني «القوة» بالمعنى العسكري، بل القوة بالمعنى الجيوسياسي: القدرة على القول «لا» دون أن تهتز السقف. ولذلك تلجأ إسرائيل إلى سياسة “التخريب الوقائي”: ضرب البنى قبل أن تتماسك، وضرب الوعي قبل أن يصفو، وضرب اللحظة قبل أن تتحول إلى مستقبل.

ليست إسرائيل في معركة مع سوريا، بل مع صورتها القادمة. مع بلد يخرج من المقبرة إلى الضوء، ويعيد ترتيب أعضائه في مواجهة زمنٍ يريد له أن يبقى منكسراً. التهديد الحقيقي ليس في الصاروخ، بل في العمران. ليس في الدبابة، بل في الورشة. ليس في الحرب، بل في القدرة على إنهائها. ولذلك تبدو الاستفزازات الإسرائيلية—بكل أشكالها—أقل خوفاً من نهوض طفل سوري يذهب إلى مدرسته الجديدة، أو ورشة تُفتتح، أو شارع يعود إلى الحركة. تلك

تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل ما تخشاه إسرائيل حقاً:

سوريا التي تعود لتعيش كيف ستعيش؟ نقطة من أول السطر .