مقدمة

يمكن وصف مسألة «أسلمة الدولة» في سوريا بعد سقوط نظام الأسد بكونها عملية مركّبة ومتعددة المستويات، لا تقتصر على إعادة تشكيل البنية الدستورية والتشريعية والقضائية والمؤسساتية فحسب، بل تمتد كذلك إلى إعادة صياغة المجال الحياتي والمجتمعي والفردي، ضمن تحول أوسع في بنية الشرعية والمعايير الناظمة للسلوك العام والخاص، تقوده السلطة الانتقالية في سياق إعادة بناء الدولة وإعادة تعريف علاقتها بالمجتمع.

 

أولاً: إعادة تشكيل النظام القانوني بين الدسترة والإنفاذ القضائي وتوسّع المرجعية الشرعية

 

1.إعادة تموضع المرجعية الإسلامية في البناء الدستوري للدولة

يشكّل الإعلان الدستوري الانتقالي لعام 2025 نقطة تحوّل بنيوية في هندسة الشرعية الدستورية، إذ نصّ على أن «الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع»، في انتقال من صيغة «مصدر رئيسي» إلى صيغة تعكس مركزية أوضح للمرجعية الفقهية في بناء القاعدة التشريعية. كما حافظ على اشتراط أن يكون رئيس الدولة مسلماً، بما يعكس تثبيتاً للبعد الديني في بنية الشرعية السياسية.

ويُفهم من هذا التحول أنه لا يقتصر على تعديل شكلي في ترتيب مصادر التشريع، بل يعكس إعادة تعريف لمفهوم الشرعية ذاته داخل النسق الدستوري، من نموذج تعددي إلى نموذج تُستمد فيه الشرعية بدرجة أكبر من مرجعية دينية تُعاد صياغتها داخل المجال العام.

كما تزامن ذلك مع إنشاء أطر مؤسساتية ذات طابع ديني-استشاري مرتبطة بالعملية التشريعية، من بينها مجلس للإفتاء وآليات لمراجعة مدى توافق القوانين مع أحكام الشريعة الإسلامية، بما يرسّخ حضور المرجعية الدينية في المراحل السابقة على التشريع وفي رقابة مضمونه.

 

  1. تفعيل المرجعية الدستورية ذات البعد الشرعي في تقييد الفائدة القانونية

القرار رقم /59/ — الهيئة العامة لمحكمة النقض — 5/11/2025

يُلاحظ من القرار المذكور أن القضاء الأعلى اتجه إلى الحدّ من الفائدة القانونية وغرامات التأخير المقررة بنصوص قانونية نافذة في المعاملات المدنية بين الأفراد، استناداً إلى المادة الثالثة من الإعلان الدستوري، بما يعكس تغليب المرجعية الدستورية ذات البعد الشرعي عند التعارض مع القواعد الوضعية.

ويُفهم من هذا الاتجاه أنه لا يقتصر على معالجة نزاع فردي، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف معيار المشروعية المالية، من خلال تقليص نطاق إعمال الفوائد القانونية المقررة تشريعاً لصالح مرجعية دستورية ذات مضمون شرعي. كما يكشف القرار عن مسار قضائي متدرج في إعادة ضبط المجال المالي المدني وجعله موائماً للشريعة، مع تركيز هذا التوجه في المرحلة الحالية على العلاقات بين الأفراد دون امتداده الكامل إلى المجال المؤسسي.

 

 

  1. توسيع نطاق المرجعية الشرعية في ضبط المسؤولية المدنية وتقدير التعويض

التعميم رقم /445/ — وزارة العدل — 10/2/2026

يُفهم من هذا التعميم أن الانتقال من ترك تحديد التعويض (الدية) لسلطة القاضي التقديرية إلى إسناد هذا التحديد إلى المادة الأولى من القانون المدني، بما تقضي به من الرجوع إلى مبادئ الشريعة الإسلامية عند سكوت النص المُفترض، يكشف عن دخول المرجعية الشرعية دخولاً مباشراً وصريحاً في تحديد مضمون القاعدة القانونية، بما يتجاوز كونه مجرد تنظيم إداري أو فني لسلطة التقدير، ليغدو تعبيراً عن إعادة توجيه مصدر القاعدة القانونية في مجال التعويضات والجزاءات، ومظهراً من مظاهر ترسيخ الحضور الشرعي في البنية القانونية.

 

ثانياً: أسلمة البنية الأمنية والعسكرية وإعادة تشكيل الجهاز القسري للدولة

 

تشير طبيعة إعادة تشكيل القوى الأمنية والعسكرية إلى مؤشر واضح على انتقال البنية العقائدية/الأيديولوجية من المجال الفصائلي إلى داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية، بما يعكس مساراً تدريجياً لإعادة بناء الجهاز القسري للدولة على أسس لا تقتصر على المهنية المؤسسية وحدها.

فعلى المستوى التنظيمي، جرى دمج تشكيلات مسلحة سابقة ذات خلفيات إسلامية ضمن الجيش الجديد، مع إعادة إدماج قيادات ميدانية في مواقع رسمية، وهو ما أدى إلى انتقال جزء من البنية الأيديولوجية التي كانت خارج الدولة إلى داخلها، بدل تفكيكها أو تحييدها.

كما تُظهر تركيبة القوى العسكرية والأمنية أن بنيتها البشرية يغلب عليها مكوّن هويّاتي واحد على مستوى الأفراد وصف الضباط والضباط، مع تمثيل محدود ويكاد يكون نادراً لبقية المكونات السورية، بما يعكس نمطاً من التجانس الداخلي الذي ينعكس على طبيعة الثقافة المؤسسية داخل الجهاز القسري.

وفي المستوى الوظيفي، يُلاحظ دخول عناصر من الخطاب القيمي أو الديني في بعض السياقات الأمنية والميدانية، سواء في توصيف الخصوم أو في تبرير بعض العمليات — كما حدث في الساحل والسويداء — وهو ما يشير إلى تداخل تدريجي بين الوظيفة الأمنية وبين المرجعية الأيديولوجية التي نشأت خارج إطار الدولة.

وبناءً على ذلك، فإن هذه المؤشرات تدل على أن عملية إعادة بناء الجيش والأمن لا تتم بوصفها إعادة تنظيم محايدة، بل بوصفها إعادة نقل للبنية العقائدية السابقة إلى داخل مؤسسة الدولة، بما يعيد تشكيل هويتها ووظيفتها ضمن مسار يُقرأ كاتجاه نحو الأسلمة البنيوية للجهاز القسري.

 

ثالثاً: إعادة تشكيل الحقل الديني والمؤسسة الدينية الرسمية

 

شهدت سوريا بعد عام 2024 عملية إعادة تشكيل واسعة للحقل الديني، اتخذت طابعاً مؤسساتياً وأمنياً متداخلاً، بما عكس اتجاهاً واضحاً نحو إعادة إنتاج المجال الديني ضمن مرجعية سلفية حركية أكثر تجانساً مع البيئة الفكرية للسلطة الجديدة. ولا تقتصر أهمية هذه التحولات على بعدها الديني فحسب، بل تكمن في كونها تكشف عن انتقال الدين من كونه عنصراً اجتماعياً وثقافياً داخل الدولة إلى كونه أداةً لإعادة تشكيل المجال العام والهوية الرسمية للمجتمع.

وقد تجلّى ذلك في حملات عزل واسعة لأئمة وخطباء من تيارات إسلامية مغايرة للطبيعة الفكرية والفقهية للهيئة الحاكمة تحت ذرائع تتعلق بالولاء للنظام السابق أو «مخالفة المنهج»، مقابل تعيين شخصيات دينية قريبة من الخلفية الفكرية السائدة داخل البنية الحاكمة. وفي هذا السياق، جرى في مدينة حلب — وفق ما أُعلن من شخصيات دينية وأكاديمية، منهم الشيخ الدكتور عبد القادر محمد الحسين أستاذ التفسير وعلوم القرآن في جامعة بالوا — عزل ما لا يقل عن مئة إمام وخطيب، واستبدال عدد منهم بخريجي معاهد ذات توجه وهابي، بالتزامن مع إيقاف بعض معاهد تعليم القرآن وافتتاح أخرى بإشراف ديني مختلف، بما يعكس أن المسألة تجاوزت إعادة التنظيم الإداري إلى إعادة توجيه المرجعية الدينية ذاتها، وتحديد الشكل «المقبول» للدين داخل المجال العام.

كما شهدت دمشق حملات منظمة لعزل الأئمة المرتبطين بالمؤسسة الدينية السابقة عبر قرارات صادرة عن وزارة الأوقاف، في حين اتخذت هذه الإجراءات في بعض مناطق ريف دمشق طابعاً ضاغطاً أو قسرياً خارج الأطر الإدارية التقليدية، وهو ما يكشف عن تداخل متزايد بين السلطة السياسية وإعادة ضبط الحقل الديني، بحيث باتت المؤسسة الدينية تُدار باعتبارها جزءاً من عملية إعادة بناء الشرعية الجديدة للدولة.

وترافقت هذه التحولات مع وقائع ذات دلالة أعمق على انتقال الصراع إلى داخل المجال الديني نفسه، من بينها مقتل الشيخ عمر بدوي، شيخ مسجد مصعب بن الزبير في البرامكة، بعد اعتقاله، واختطاف الشيخ أسعد الكحيل على يد فصيل مسلح متشدد، الأمر الذي دفع رابطة علماء ودعاة سوريا إلى إصدار بيان عاجل بشأن الواقعة. كما شهدت بعض المساجد في حماة (مسجد مصعب بن الزبير وجامع الشريعة) توترات واشتباكات على خلفية ممارسات دينية وشعائرية، بعد اتهام جماعات متشددة للمصلين هناك بممارسة «بدع» أو شعائر مخالفة — أثناء قيامهم بجلسات ذكر وصلاة التراويح — بما يعكس انتقال منطق الإقصاء العقائدي من المجال السياسي إلى داخل النسيج الديني والاجتماعي ذاته.

وإلى جانب ذلك، شهدت المنابر الدينية تحولاً واضحاً من الخطاب الوعظ التقليدي إلى خطاب تعبوي ذي طابع سياسي-عقائدي، تمحور حول مفاهيم «التمكين» و«الهوية الإسلامية» و«تحرير الأمة»، وبلغ ذروته في خطب آذار/مارس 2025 التي تضمنت دعوات إلى «الجهاد» في الساحل. وتكمن خطورة هذا التحول في أنه ينقل المنبر الديني من وظيفة الإرشاد الروحي إلى وظيفة التعبئة السياسية والاجتماعية، بما يجعل الخطاب الديني جزءاً من عملية إنتاج الشرعية وتحديد العدو وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.

ويكشف مجموع هذه الوقائع أن إعادة تنظيم المؤسسة الدينية لم تقتصر على إعادة هيكلة إدارية أو دعوية، بل اتجهت نحو إعادة ضبط المجال الديني والمجتمعي وفق تصور عقائدي أكثر أحادية، بما يجعل المؤسسة الدينية أداةً فاعلة في إعادة تشكيل المجال العام والسلوك الاجتماعي والهوية الرسمية للدولة، ضمن مسار أوسع لأسلمة الدولة والمجتمع معاً.

 

رابعاً: أسلمة التعليم

 

  1. 1. تعديل المناهج الدراسية الرسمية

قبيل انطلاق العام الدراسي 2025-2026، أجرت وزارة التربية السورية جملةً من التعديلات الجوهرية على المناهج الدراسية، تعكس في مجملها توجهاً أيديولوجياً واضحاً نحو إضفاء طابع إسلامي على المنظومة التعليمية.

 

أ. التعديلات في العلوم الطبيعية

حذف نظرية التطور ونظرية الانفجار الكبير من مقررات العلوم الطبيعية، في تعارض صريح مع معايير التعليم العلمي الدولي.

 

ب. التعديلات في التاريخ والتربية الوطنية

  • حذف الإشارة إلى شهداء السادس من أيار الذين أُعدِموا إبّان الاحتلال العثماني عام 1916، ومن بينهم شخصيات مسيحية سورية، مما يُمثّل محواً انتقائياً للذاكرة الوطنية المشتركة.
  • حذف صور المنحوتات والتماثيل الأثرية من كتب اللغة الإنجليزية، ما يُفسَّر على نطاق واسع بوصفه تطبيقاً لمبدأ سلفي يُحرّم التصوير والتماثيل.
  • إزالة مادة تشريع حمورابي من المنهج.

 

ج. التعديلات المصطلحية والمفاهيمية

تُمثّل التبديلات المصطلحية في المقررات الدراسية مؤشراً بالغ الدلالة على طبيعة التحوّل الأيديولوجي الجاري، ومن أبرزها:

  • استبدال كلمة «قانون» بعبارة «شريعة الله»، وهو تعديل يُحوّل مرجعية السلطة التشريعية من الإطار المدني إلى الإطار الديني.
  • استبدال مصطلح «المغضوب عليهم» في التفسير القرآني بعبارة «اليهود والنصارى» بصورة صريحة، في تراجع واضح نحو تفسير إقصائي.
  • استبدال «مبدأ الإنسانية» بـ«الأخوة الإيمانية»، ما يُعيد تعريف مفهوم الانتماء على أساس ديني لا مدني.
  • استبدال عبارة «أن يبذل الإنسان روحه في سبيل وطنه» بعبارة «في سبيل الله»، ما يُحوّل الانتماء الوطني إلى ولاء ديني.

 

وقد حاول وزير التربية نظير القادري التقليل من شأن هذه التغييرات، واصفاً إياها بـ«التعديلات الطفيفة»، غير أنه أكّد لاحقاً في مقابلة تلفزيونية أن هدفه صياغة مناهج تتوافق مع تعاليم الإسلام، لا مع قيم المواطنة والتعليم الشامل. وتُلقي هذه التصريحات ضوءاً على الفجوة القائمة بين الخطاب الرسمي المعتدل والتوجهات الأيديولوجية الفعلية للسلطة.

 

  1. التعليم الموازي: شبكة «دار الوحي الشريف»

تُشكّل شبكة «دار الوحي الشريف» النموذج الأبرز للتعليم الموازي الذي تسعى السلطة الانتقالية إلى تكريسه بديلاً عن المنظومة التعليمية التقليدية. وهي شبكة مدرسية إسلامية مرتبطة ارتباطاً مباشراً بهيئة تحرير الشام، وقد اكتسبت في عهد الشرع صفةً رسميةً واعترافاً مؤسسياً من الدولة.

تتسم هذه الشبكة بجملة من السمات البنيوية الموثّقة:

  • إحلال القرآن الكريم محور المنهج الدراسي بصورة تكاد تُغيّب المواد التقليدية كالفيزياء والكيمياء والرياضيات.
  • تضمين مناهجها رسائل ذات طابع جهادي تتجلى في الاحتفالات المدرسية.
  • فرض الفصل التام بين الجنسين، وإلزام الفتيات بارتداء العباءة والنقاب منذ المرحلة الابتدائية.
  • التوسع السريع والمتواصل: ففي أقل من عام واحد على سقوط نظام الأسد، امتدت الشبكة من محافظة إدلب لتشمل أكثر من 70 مدرسة موزّعة على دمشق وحلب وحماة وحمص ودرعا واللاذقية.

 

خامساً: أسلمة الحياة العامة

 

  1. 1. حظر المكياج على موظفات الحكومة في اللاذقية

القرار رقم 675/10/13ص — محافظة اللاذقية — 26/1/2026

أصدر محافظ اللاذقية محمد أحمد عثمان في السادس والعشرين من يناير 2026 هذا القرار، يُلزم جميع المؤسسات الحكومية بإبلاغ موظفاتها بـ«حظر استعمال أي مكياج خلال ساعات العمل»، مُهدِّداً المخالفات بـ«المساءلة القانونية» دون أن يُحدّد أي أساس تشريعي واضح أو معيار موضوعي لما يُعدّ مخالفةً.

 

  1. اعتقال موظفين بتهمة الإفطار في رمضان

شكّلت أحداث شهر رمضان 2025 منعطفاً دالاً على مستوى تطبيق الأحكام الدينية: فقد اعتُقلت موظفة في منطقة سلمية بمحافظة حماة بتهمة «انتهاك الآداب العامة» بسبب إفطارها مبكراً خلال النهار. وفي السياق ذاته، أقال مجلس محلي قرب دمشق عمّال مخبز للسبب عينه. وكانت وزارة الأوقاف الانتقالية قد أصدرت تعليمات بإغلاق المطاعم والمقاهي وعربات الطعام خلال ساعات النهار في رمضان.

إن إضفاء الطابع القانوني والعقوبي على الممارسة الدينية الخاصة، لا سيما في سياق يضمّ مواطنين غير مسلمين ومسلمين غير ملتزمين، يُمثّل تحولاً خطيراً من نموذج الدولة المدنية إلى نموذج الدولة الدينية التي تُجرّم الحياد عن الفريضة الشرعية.

 

  1. حملات الوعّاظ الإسلاميين وسيارات الدعوة في الأحياء المسيحية

اعتباراً من منتصف يناير 2025، شرعت «سيارات الدعوة» ومجموعات الوعّاظ في جولات منتظمة داخل أحياء دمشق، موجّهةً خطابها إلى المارة رجالاً ونساءً، داعيةً إياهم إلى اعتناق الإسلام، وحاثّةً النساء على ارتداء الحجاب. وقد تركّز هذا النشاط بصورة خاصة في الأحياء ذات الغالبية المسيحية كالقصّاع والقشلة وباب توما والدويلعة.

وقد وثّق مؤيدو هيئة تحرير الشام ما أسمَوه «غزوات دعوية» نسائية انطلقت من إدلب نحو مناطق كانت خاضعة لسيطرة النظام السابق؛ إذ توجّهت فرق من النساء المنتقبات إلى ضواحي دمشق والغوطة الشرقية، حيث عقدن اجتماعات ووزّعن مئات الأزياء الشرعية السلفية. كما عُلّقت ملصقات في أحياء دمشق تحدّد أنواع الملابس المقبولة وفق الأحكام السلفية.

وفي السياق نفسه، تُسيَّر حملاتٌ لنشر اللباس الشرعي للنساء في عدة محافظات كدمشق وحماة وحمص وحلب، برعاية «الشيخ الذهبي»، وهو مقاتل وداعية إسلامي مصري الجنسية، مطلوب لسلطات بلاده بتهم متعلقة بالإرهاب. وكانت آخر هذه الفعاليات قد جرت ضمن حرم جامعة دمشق، في كلية طب الأسنان، حيث جالت عشرات الفتيات مرتديات اللباس الشرعي داخل الجامعة، وذلك في إطار حملة وزّعت هذا اللباس مجاناً على الطالبات.

 

  1. 4. حظر الاختلاط في المطاعم والأماكن العامة

في يناير 2026، أصدر مجلس بلدية وادي بردى تعميماً يحظر على المطاعم استقبال مجموعات مختلطة بين الجنسين للرقص أو التجمّع الاجتماعي، مستنداً صراحةً إلى «الأخلاق الدينية» بوصفها الإطار المرجعي للقرار. وفي الشهر ذاته، أصدرت بلدة التل قرب دمشق قراراً يحظر توظيف الرجال في محلات الملابس النسائية «صوناً للآداب العامة».

وكانت السلطات قد أصدرت في صيف 2025 توجيهات تُلزم النساء بارتداء ملابس سباحة محتشمة في الشواطئ والمسابح العامة.

كما أغلقت إدارة الأمن العام، في شهر فبراير ٢٠٢٦، مطعماً في مدينة الدانا بإدلب، بعد انتشار مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يُظهر اختلاطاً بين الجنسين ومظاهر رقص وموسيقى، اعتُبرت أجواءً مخلّة بالآداب العامة.

 

  1. 5. حظر بيع الكحول في دمشق

القرار رقم /311/ م.ت — محافظة دمشق — 17/3/2026

يُلزم هذا القرار أصحاب تراخيص النوادي الليلية والحانات بتحويل منشآتهم إلى مقاهٍ لا تقدم الكحول، خلال مهلة ثلاثة أشهر، ويقصر بيع الكحول على عبوات مغلقة للاستهلاك المنزلي في الأحياء المسيحية حصراً، على ألا يقلّ بُعد أي نقطة بيع عن 75 متراً من دور العبادة والمدارس، و20 متراً من المنشآت الأمنية.

 

  1. 6. حظر اختلاط الجنسين في الأعراس

قرار مجلس مدينة بدا — ريف دمشق — 17/5/2026

يمنع هذا القرار اختلاط الرجال بالنساء في الأعراس وحفلات الزفاف، بما في ذلك العريس نفسه أو أي شخص آخر، معلِّلاً ذلك بأنه استجابة لتعاليم الدين الحنيف وللمحافظة على الأخلاق والآداب العامة.

 

خلاصة

 

يكشف هذا البحث عن مسارٍ منهجيٍّ ومتسقٍ لسياسات إعادة تشكيل الدولة في السياق السوري خلال المرحلة الانتقالية، يتبلور عبر خمسة مسارات متوازية ومترابطة: دستوريّاً وقضائيّاً من خلال ترجيح الفقه الإسلامي بوصفه المصدر الرئيس للتشريع، وما يرافق ذلك من إحالة بعض المسارات القضائية إلى مرجعيات تأويلية ذات طابع ديني مباشر؛ وأمنيّاً وعسكريّاً عبر إدماج تشكيلات ذات خلفيات أيديولوجية دينية ضمن بنية المؤسسة القسرية الرسمية، بما يعيد صياغة قواعد الانضباط والولاء داخلها؛ ودينيّاً من خلال إعادة هيكلة الحقل الديني وتحويل المنبر الديني من وظيفة الإرشاد الروحي إلى أداة للتعبئة والتوجيه السياسي؛ وتعليميّاً عبر إعادة صياغة المناهج الرسمية وتوسيع شبكات التعليم غير النظامي ذات الطابع الموازي؛ واجتماعيّاً من خلال مجموعة من الإجراءات الإدارية المتدرجة التي تعمل بصورة تراكمية على إعادة إنتاج المجال العام والخاص وفق مرجعية قيمية دينية أحادية.

وقد خلص تقرير المفوضية الأمريكية للحرية الدينية الدولية، الصادر في 14 مايو 2026، إلى أن انهيار نظام الأسد لم يؤدِّ إلى تحسن ملموس في أوضاع حرية المعتقد داخل سوريا، بل شهدت البيئة الحقوقية انتقالاً في أنماط الانتهاك وتعدد الفاعلين. فقد وثّق التقرير وقوع انتهاكات جسيمة ذات طابع عنفي وإقصائي ارتكبها فاعلون حكوميون وغير حكوميين، شملت عمليات قتل خارج نطاق القضاء استهدفت فئات دينية محددة من بينها العلويين والدروز والمسيحيين، إلى جانب استمرار التهديد الذي يشكله تنظيم داعش تجاه دور العبادة والمصلين. كما أشار إلى ممارسات إدارية ذات أثر تمييزي بحق بعض الأقليات الدينية، وإلى مخاوف متزايدة تتعلق بإدماج “هيئة تحرير الشام” في البنى المؤسسية للدولة دون مسارات مساءلة فعّالة، فضلاً عن الدور الذي تضطلع به فصائل مدعومة من تركيا في ممارسة ضغوط وانتهاكات بحق أقليات في شمال سوريا. وعلى هذا الأساس، أوصى التقرير وزارة الخارجية الأمريكية بتصنيف سوريا “دولة ذات قلق خاص”، وربط أي تعاون أو انخراط مستقبلي مع السلطات في دمشق بإحراز تقدم ملموس وقابل للقياس في مجال حماية حرية الدين والمعتقد.

وفي ضوء ما سبق، يفضي هذا المسار إلى تفكيكٍ تدريجي للبنية الاجتماعية السورية المتعددة، عبر إعادة تعريف مفهوم الانتماء من إطار وطني جامع إلى إطار هوياتي ذي طابع ديني ضيق، بما يعيد تشكيل المجال العام على أساس معيار أحادي. وينتج عن ذلك تصاعد مشاعر التهميش وانعدام الأمان لدى الأقليات الدينية والإثنية، وتعزيز نزعات الانكفاء الهوياتي والهجرة، إلى جانب تراجع الثقة بوظيفة الدولة بوصفها جهة محايدة جامعة. كما يفتح ذلك المجال أمام إعادة إنتاج أنماط من التوتر والعنف ذي الطابع الطائفي، على نحو ما ظهر في أحداث الساحل والسويداء. وعلى نحو لافت، لا تقف هذه الممارسات الإقصائية عند حدود الأقليات غير المسلمة وحدها، بل تمتد لتشمل إقصاء فئات واسعة من المكوّن السني المعتدل ذاته، فالنموذج العقائدي السلفي الذي تتبناه السلطة الجديدة لا يعكس بالضرورة التوجهات الدينية والثقافية للغالبية السنية، التي تتسم تاريخياً بمرجعية دينية أكثر انفتاحاً واعتدالاً وتنوعاً مذهبياً.

وتتجلى هذه الممارسات في عزل مئات الأئمة والخطباء السنّة المعتدلين بدعوى “مخالفة المنهج” واستبدالهم بسلفيين، وفي تهميش المؤسسات الدينية التقليدية لصالح شبكات موازية كـ”دار الوحي الشريف”، وفي فرض أنماط لباس وسلوك اجتماعي لا تتسق مع الموروث الثقافي المحلي لهذه الفئات. وبهذا، فإن المسألة لا تتعلق فحسب بإعادة رسم العلاقة بين الأغلبية والأقليات، بل تمتد إلى إعادة تشكيل قسري للهوية الدينية والاجتماعية للسنّة المعتدلين أنفسهم، بما يُنتج طبقة جديدة من المُهمَّشين داخل المكوّن الذي يُفترض أنه الحاضنة الاجتماعية للسلطة الحاكمة، ويُغذّي بدوره استقطاباً داخلياً إضافياً قد يُربك حسابات الاستقرار الاجتماعي على المدى الطويل.

كذلك فإن إدخال التوجهات الإيديولوجية في المجال التعليمي يهدد بإنتاج بيئة تعليمية أقل قدرة على استيعاب التنوع، في حين أن تضييق الحريات العامة والفردية يحدّ من مفهوم المواطنة الفعلية ويكرّس نموذج الدولة ذات الطابع الديني القسري على حساب نموذج الدولة المدنية الجامعة.

أما على الصعيد الخارجي، فإن هذه التحولات تُضعف من موقع الدولة السورية في المنظومة الدولية، وتؤثر سلباً على قدرتها التفاوضية، وتعرقل مسارات رفع العقوبات وإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات المرتبطة بمعايير حقوق الإنسان. كما تُسهم في تعزيز خطاب دولي وإقليمي متشكك في طبيعة التوجهات المعلنة للسلطة الانتقالية، وتُبقي الباب مفتوحاً أمام تدخلات خارجية تُبرَّر بحماية المكونات، بما يهدد بتآكل السيادة الوطنية واستدامة حالة عدم الاستقرار الداخلي والإقليمي.

 

وفي ضوء ما تقدّم، تبرز الحاجة إلى:

 

  • ترسيخ نموذج دولة حيادية تجاه الأديان، قائمة على المواطنة المتساوية، بما يضمن المساواة الكاملة بين جميع المواطنين أمام القانون بغض النظر عن انتماءاتهم، ويعزز وحدة الدولة وتعددها الاجتماعي.
  • تكريس سيادة القانون المدني بوصفه الإطار الناظم للحقوق والواجبات، استناداً إلى منظومة تشريعية ناتجة عن توافق وطني شامل وتمثيل فعلي لمختلف المكونات، مع ضمان حياد الدولة تجاه الانتماءات الدينية كافة.
  • تعزيز آليات المساءلة القانونية والمؤسسية عبر إنشاء أجهزة قضائية ورقابية مستقلة وشفافة، قادرة على محاسبة مرتكبي الانتهاكات، أياً كانت مواقعهم، متى تجاوزوا الإطار القانوني.
  • ضبط التباينات في الممارسة الإدارية على المستوى المحلي، عبر إطار تشريعي وطني ملزم يحد من الاجتهادات غير المنضبطة خارج الدستور والقوانين النافذة.
  • حماية المجال التعليمي من التوظيف الأيديولوجي، من خلال مراجعة المناهج لضمان حيادها العلمي والوطني، ومنع أي أنماط تعليم موازٍ غير مرخص.
  • ربط التعاون الدولي بمعايير حقوقية قابلة للقياس، بحيث يُشترط تقديم الدعم السياسي والاقتصادي بإحراز تقدم فعلي في مجال حماية حرية المعتقد وتعزيز التعددية.
  • تعزيز دور المجتمع المدني وتمكين آليات الرقابة المجتمعية، عبر توسيع مساحات التعبير والعمل السلمي بوصفها أدوات أساسية للمساءلة وصون التنوع الاجتماعي.

 

التحالف السوري الديمقراطي