ما جرى خلال الأيام الماضية من تداول أخبار عن اعتقال بعض أفراد عائلة سورية بتهمة الانتماء إلى تنظيم داعش، ثم تبيّن عدم صحة هذه الرواية، ليس مجرد خطأ إعلامي عابر. إنه تذكير خطير بأن حياة السوريين وسمعتهم وحريتهم لا يجوز أن تكون مادة للأخبار غير الموثقة أو الاتهامات التي تسبق التحقيق الجدي والقول الفصل من القضاء المختص. فالقاعدة الدستورية واضحة في أنّ المتهم بريء حتى يُدان بحكم قضائي مبرم.

وفي الوقت نفسه، تثير الصور المتداولة لعدد من الأشخاص داخل المشفى، وما يُقال عن تعرضهم للتعذيب داخل مراكز الاحتجاز، أسئلة أكثر خطورة لا يجوز تجاهلها أو التعامل معها كحادثة عابرة. إذ أننا ندين بأشد العبارات ما يظهر من ممارسات تعذيب وسوء معاملة، ونطالب بتحقيق مستقل وشفاف يكشف حقيقة ما جرى، ويحدد المسؤوليات، ويحاسب كل من تثبت مسؤوليته.

لقد عانى السوريون لعقود من دولة كانت فيها قرينة البراءة معكوسة، والاعتقال سابقاً للمحاكمة، وانتزاع الاعترافات تحت التعذيب وسيلة لإغلاق الملفات. لا يمكن أن تكون سوريا الجديدة نسخة أخرى من الماضي، مهما اختلفت الشعارات والجهات.

محاربة داعش والإرهاب ضرورة وطنية لا خلاف عليها، لكن محاربة الإرهاب لا تعني تحويل كل مشتبه به إلى مجرم، ولا تعني معاقبة عائلة بسبب شبهة، ولا تبرر التعذيب أو الإهانة أو الانتقام. مكافحة الجريمة تصبح أقوى عندما تكون قائمة على التحقيق والأدلة والقضاء المستقل، لا على الاعترافات المنتزعة تحت الضغط.

إن سوريا اليوم بحاجة إلى قاعدة بسيطة وواضحة: لا أحد فوق القانون، ولا أحد خارج حماية القانون.

والأخطر من الانتهاك الفردي أن يتحول الخوف إلى مناخ عام. لقد بدأ هذا الخوف يستشري حتى بين أعضاء في القوى السياسية والمدنية. أن يتردد مواطن في التعبير عن رأيه، أو أن يخشى ناشط من ممارسة حقه السياسي، أو أن يراقب الإنسان كلماته خشية أن تتحول إلى سبب للمساءلة أو الاعتقال، فهذا يعني أن شيئاً أساسياً في علاقة الدولة بالمواطن لم يتغير بعد.

نحن لا نريد لسوريا أن تنتقل من خوفٍ إلى خوف، ولا أن تستبدل أجهزة القمع القديمة بممارسات جديدة، ولا أن يصبح الصمت شرطاً للأمان. الدولة التي نريدها هي التي يشعر فيها المواطن بالأمان لأنه محمي بالقانون، لا لأنه صامت أو بعيد عن الشأن العام.

ومن هنا، فإننا في التحالف السوري الديمقراطي ندعو إلى:

1. وقف التعامل مع الاتهامات غير المثبتة باعتبارها حقائق، وخصوصاً الاتهامات المرتبطة بالإرهاب.
2. فتح تحقيق مستقل وشفاف في أي ادعاء يتعلق بالتعذيب أو سوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز.
3. ضمان حق كل موقوف في معرفة التهمة الموجهة إليه، وفي الدفاع عن نفسه أمام قضاء مستقل وعادل.
4. محاسبة كل من ثبت تورطه في التعذيب أو الإهانة أو الاعتقال خارج القانون، أياً كانت صفته أو الجهة التي ينتمي إليها.
5. اعتماد سياسة إعلامية مسؤولة في نشر قضايا الإرهاب والأمن، لأن التشهير بشخص بريء قد يدمر حياته وحياة أسرته حتى بعد تصحيح الخبر.
6. التأكيد على أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تنجح إذا استبدلنا انتهاكات الماضي بانتهاكات جديدة، أو استبدلنا منطق القانون بمنطق الثأر.
7. حماية الحق في العمل السياسي والتعبير السلمي، وضمان ألا تتحول المشاركة السياسية أو إبداء الرأي أو الانتماء إلى تنظيم سياسي إلى مصدر للخوف أو الملاحقة أو الاعتقال.

إن بناء الدولة لا يبدأ من قوة أجهزتها الأمنية، بل من قدرتها على حماية المواطن من التعسف حتى عندما يكون متهماً.

المواطن الذي يعيش في سوريا الجديدة يجب ألا يخاف من المخفر، ولا من المحكمة، ولا من الخبر الذي قد يُنشر عنه. يجب أن يعرف أن القانون سيحميه إذا كان بريئاً، وسيحاسبه إذا كان مذنباً، وأن العقوبة لا يقررها الغضب ولا الشائعة ولا المحقق، بل القضاء.

سوريا الجديدة التي نريدها هي سوريا القانون والعدالة والكرامة؛ لا سوريا الاعتقال التعسفي، والتعذيب والانتقام والخوف.

التحالف السوري الديمقراطي