يتابع التحالف السوري الديمقراطي، ببالغ القلق والمسؤولية، انطلاق المحاكمات الجنائية في دمشق بحق عدد من المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق السوريين خلال العقود الماضية. وإذ يقرّ التحالف بما يمثّله هذا المسار من خطوة أولية باتجاه كسر حالة الإفلات من العقاب، وإعادة الاعتبار لفكرة المساءلة القضائية، وفتح المجال أمام نقاش وطني حول العدالة، فإنه يرى في الوقت ذاته أن هذه اللحظة تشكّل اختباراً مفصلياً لمآلات العدالة في سوريا، وفرصة تاريخية مشروطة بإمكانية الانتقال نحو دولة القانون والمؤسسات، وهي إمكانية تبقى مهددة في حال لم تُبنَ على أسس قانونية ومؤسساتية سليمة ومتكاملة.
أولاً: الموقف المبدئي
يؤكد التحالف أن مساءلة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق السوريين تمثّل التزاماً وطنياً وأخلاقياً وقانونياً غير قابل للتأجيل، وتشكل ركيزة تأسيسية في أي مسار انتقال ديمقراطي جاد.
كما يشدد على أن العدالة الانتقالية لا تُختزل في المحاكمات الجزائية، بل تمثل مساراً شاملاً لإعادة بناء العقد الاجتماعي على قاعدة سيادة القانون وصون الكرامة الإنسانية، بما يتضمن كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار.
ثانياً: تقييم المسار القائم
والإشكاليات البنيوية
يرى التحالف أن المقاربة الحالية للمحاكمات تعاني من اختلالات بنيوية ذات طابع قانوني ومؤسساتي ومنهجي، من شأنها تقويض فعاليتها والحد من آثارها على صعيد تحقيق العدالة الشاملة:
1. محدودية الإطار القانوني الوطني وعدم مواءمته للجرائم الدولية
ينطلق المسار القضائي القائم ضمن إطار تشريعي وطني تقليدي لا يتضمن في بنيته النصية توصيفات صريحة للجرائم الدولية الأساسية، وعلى رأسها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، كما لا يكرّس بشكل واضح مبدأ مسؤولية القيادات العليا وفق ما استقر عليه القانون الجنائي الدولي.
ولا يقتصر أثر هذا القصور على الجانب الوصفي فحسب، بل يمتد ليؤثر على نطاق المسؤولية الجنائية، إذ يؤدي إلى حصرها في مستويات تنفيذية ضيقة، ويحول دون مقاربة الجرائم بوصفها أفعالاً ممنهجة ذات طابع بنيوي.
وفي هذا السياق، فإن الاقتصار على ملاحقة الفاعلين المباشرين، بمعزل عن سلاسل القيادة ومراكز صنع القرار، يتعارض مع الطبيعة القانونية للجرائم الدولية التي تقوم، في جوهرها، على مسؤولية المنظومة بمختلف مستوياتها، السياسية والعسكرية والأمنية، بما في ذلك من أصدر الأوامر، أو ساهم في التخطيط، أو وفّر الغطاء أو الدعم.
2. غياب استراتيجية وطنية جامعة للعدالة الانتقالية واختلال توزيع الأدوار المؤسسية
انطلقت المحاكمات في ظل غياب إطار وطني متكامل واستراتيجية جامعة تنظم مسار العدالة الانتقالية في سوريا، رغم الإعلان سابقاً عن تشكيل هيئة معنية بهذا الملف.
ويثير هذا الواقع إشكالية جدية تتعلق بتداخل الاختصاصات وتجاوز الأدوار المؤسسية، حيث تم إطلاق المسار القضائي من قبل وزارة العدل بمعزل عن دور واضح وفاعل للهيئة المعنية بالعدالة الانتقالية، والتي يُفترض بها، من حيث المبدأ، أن تضطلع بوضع السياسات العامة، وتنسيق المسارات، وضمان تكامل الأبعاد القضائية وغير القضائية للعدالة.
إن هذا الاختلال لا يفضي فقط إلى تفكك الجهود، بل يهدد بتحويل المحاكمات إلى إجراءات معزولة تفتقر إلى الإسناد المؤسسي والاستراتيجي، بما يضعف قدرتها على تحقيق أهداف العدالة الانتقالية بوصفها عملية شاملة ومترابطة.
3. التعجيل في إطلاق المسار القضائي قبل استكمال المقومات اللازمة
إن المباشرة بالمحاكمات قبل استكمال الإطار القانوني والمؤسساتي، وغياب الرؤية الشاملة، قد يؤديان إلى تثبيت مقاربات قاصرة يصعب تدارك آثارها لاحقاً، سواء على مستوى التكييف القانوني أو على مستوى بناء ملفات قضائية متماسكة وقابلة للتطوير.
4. محدودية الجاهزية المؤسسية والتقنية للجهاز القضائي
يواجه النظام القضائي القائم تحديات بنيوية تتعلق بمدى جاهزيته للتعامل مع هذا النوع المعقد من القضايا، سواء من حيث التأهيل التخصصي للقضاة وأعضاء النيابة العامة، أو من حيث البنية التحتية التقنية اللازمة لمعالجة الأدلة.
فالجرائم ذات الطابع الدولي تتطلب خبرات متقدمة في تحليل أنماط الانتهاكات، والتعامل مع أدلة مركبة، بما في ذلك الأدلة الرقمية، وصور الأقمار الصناعية، ومصادر المعلومات المفتوحة، وسلاسل التوثيق المعقدة.
وفي ظل غياب التدريب الكافي والبنية التقنية المناسبة، تبرز مخاطر حقيقية تتعلق بضعف بناء القضايا، أو عدم القدرة على استيعاب حجم ونوعية الأدلة، بما قد ينعكس سلباً على جودة الأحكام ومصداقية العملية القضائية.
5. إشكاليات تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة
[4/30/2026 7:42 PM] Kahtan: لا تزال الحاجة قائمة لتعزيز الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، وفي مقدمتها استقلال القضاء، وحق الدفاع، وعلنية الإجراءات، بما يكفل تحييد العملية القضائية عن التأثيرات السياسية أو الضغوط المجتمعية، ويصون مشروعيتها في نظر الضحايا والرأي العام.
ثالثاً: المخاطر السياسية والقانونية
يحذّر التحالف من أن استمرار هذا المسار بصيغته الراهنة، وفي ظل غياب استراتيجية واضحة ومتكاملة، قد يفتح المجال أمام توظيفه سياسياً، بما يحوّله إلى أداة لإدارة الرأي العام وإضفاء انطباع بوجود مساءلة فعلية، دون أن يترتب على ذلك تفكيك حقيقي للبنى المسؤولة عن الانتهاكات.
كما أن الاقتصار على ملاحقات انتقائية أو محدودة قد يفضي إلى إنتاج نموذج من العدالة الشكلية، التي تكتفي بمحاكمة أفراد بعينهم، بما يشبه “إدارة العدالة” بدل تحقيقها، الأمر الذي يهدد بإعادة إنتاج أنماط السلطة ذاتها تحت غطاء قانوني.
ويضاف إلى ذلك ما قد ينجم عن هذا المسار من إضعاف لآليات المساءلة الدولية، أو الحد من فاعليتها، في حال تم تكريس معالجات قضائية غير مكتملة أو غير منسجمة مع المعايير الدولية.
رابعاً: تحديد الموقف
انطلاقًا مما تقدم، يؤكد التحالف أن الواقع الراهن يضع مسار العدالة في سوريا أمام خيارين متمايزين:
إما مسار شكلي محدود الأثر، يفضي إلى إغلاق ملفات دون تحقيق مساءلة حقيقية، أو مسار متكامل يؤسس لعدالة انتقالية شاملة، تحفظ حقوق الضحايا، وتضمن استمرارية المساءلة وعدم تقييدها مستقبلاً.
ويعلن التحالف انحيازه الواضح للمسار الثاني، بوصفه المسار الوحيد الكفيل بتحقيق عدالة مستدامة.
خامساً: المطالب والتوصيات
يدعو التحالف السوري الديمقراطي إلى:
ـ مواءمة الإطار القانوني الوطني مع القانون الدولي:
إدماج الجرائم الدولية في التشريعات الوطنية، بما يشمل تكريس مبادئ المسؤولية الجنائية على مختلف مستوياتها، ولا سيما مسؤولية القيادات.
ـ وضع استراتيجية وطنية شاملة للعدالة الانتقالية:
تحديد إطار مؤسسي واضح يضمن تكامل الأدوار بين مختلف الجهات، وفي مقدمتها الهيئة المختصة بالعدالة الانتقالية.
ـ تعزيز نطاق المساءلة
توسيع الملاحقات لتشمل كافة حلقات البنية المسؤولة عن الجرائم، وعدم الاكتفاء بالمستويات التنفيذية.
ـ رفع الجاهزية القضائية والتقنية
تأهيل الكوادر القضائية، وتطوير البنية التحتية، وبناء قدرات متخصصة في التعامل مع الأدلة المعقدة.
ـ تكريس استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة
تعزيز الإطار الضامن لنزاهة واستقلال العملية القضائية.
ـ حماية التكامل مع المسارات الدولية للمساءلة
ضمان عدم تعارض الإجراءات الوطنية مع آليات العدالة الدولية أو إضعافها.
ختاماً
يؤكد التحالف السوري الديمقراطي أن العدالة لا تتحقق بمجرد الشروع في المحاكمات، بل بمدى اتساقها مع المعايير القانونية السليمة، وارتكازها إلى رؤية شاملة ومؤسسات قادرة على إنفاذها.
وأي انحراف عن هذه الأسس من شأنه أن يحوّل مسار العدالة إلى أداة شكلية، بدل أن يكون مدخلاً حقيقياً لإنصاف الضحايا وبناء دولة القانون.
التحالف السوري الديمقراطي