سوريا من شرعية الثورة إلى دولة الدستور
دراسة في بناء السلطة والمؤسسات الدستورية خلال المرحلة الانتقالية
مقدمة
لم يكن انهيار النظام السابق في سوريا مجرد نهاية لسلطة سياسية، بل مثّل لحظة تأسيسية فتحت المجال أمام إعادة بناء الدولة على أسس دستورية جديدة، بعد عقود طويلة من احتكار السلطة، وتهميش المؤسسات، وإفراغ الدستور من وظيفته بوصفه قيداً على الحاكم. ومن ثم، فإن جوهر المرحلة الانتقالية لم يكن يقتصر على إدارة الفراغ السياسي أو الحفاظ على استمرارية مؤسسات الدولة، وإنما كان يتمثل، قبل كل شيء، في إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والقانون، وبين الدولة والمجتمع، بحيث تنتقل سوريا من نموذج الدولة السلطوية إلى نموذج الدولة الدستورية.
غير أن التجارب المقارنة تؤكد أن لحظات الانتقال تمثل، في الوقت ذاته، أكثر المراحل قابلية لإعادة إنتاج أنماط الحكم القديمة. فالسلطة التي تنشأ في ظروف استثنائية تكتسب، بحكم الواقع، صلاحيات واسعة تبررها ضرورات الأمن أو الاستقرار أو المحافظة على وحدة الدولة. لكن هذه الضرورات، إنْ لم تُحط بقيود دستورية صارمة ومؤسسات مستقلة، تتحول تدريجياً من وسائل استثنائية لحماية الانتقال إلى آليات دائمة لاحتكار السلطة. وهكذا يصبح الخطر الحقيقي على التحول الديمقراطي نابعاً، ليس من عودة النظام السابق بصورته التقليدية، وإنما من إعادة إنتاج منطقه السياسي داخل مؤسسات المرحلة الانتقالية نفسها.
ومن هنا، تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن نجاح المرحلة الانتقالية لا يقاس بقدرة السلطة التنفيذية على إدارة الدولة أو فرض الاستقرار، وإنما بمدى نجاحها في بناء مؤسسات مستقلة تحد من نفوذها، وتخضعها للمساءلة، وتضمن انتقال الشرعية من الأشخاص إلى القواعد الدستورية. فالدولة الحديثة لا تُبنى على افتراض نزاهة الحكام أو حسن نياتهم، بل على افتراض قابلية السلطة، بطبيعتها، إلى التوسع إذا لم تواجه بضوابط مؤسسية فعالة.
ولهذا السبب، نشأت مبادئ سيادة القانون، والفصل بين السلطات، والرقابة الدستورية، واستقلال القضاء، باعتبارها أدوات لحماية المجتمع من تغوّل السلطة، لا مجرد ترتيبات تنظيمية لإدارة مؤسسات الدولة.
وفي الحالة السورية، تبرز إشكالية مركزية تتمثل في اتساع الفجوة بين متطلبات الشرعية الدستورية وبين البنية المؤسسية التي تشكلت خلال المرحلة الانتقالية. فبدلاً من أن يؤدي الإعلان الدستوري المؤقت إلى توزيع السلطة بين مؤسسات مستقلة، وإقامة منظومة فعالة من الضوابط والتوازنات، اتجهت الممارسة الدستورية إلى تكريس مركزية السلطة التنفيذية، وإضعاف قدرة السلطتين التشريعية والقضائية على ممارسة وظائفهما بوصفهما سلطتين مستقلتين، فضلاً عن تجاوز بعض القيود التي وضعها الإعلان الدستوري نفسه. ولا تكمن خطورة هذا المسار في مخالفته لقاعدة قانونية بعينها، وإنما في أثره التراكمي على بنية النظام السياسي، إذ يؤدي إلى إضعاف مبدأ المشروعية، وإفراغ الرقابة الدستورية من مضمونها، وتحويل المؤسسات العامة إلى امتداد للإرادة التنفيذية بدلًا من أن تكون رقيباً عليها.
ولا تهدف هذه الورقة إلى تقييم أشخاص أو إصدار أحكام سياسية، كما لا تنطلق من مقارنة المرحلة الانتقالية بالنظام السابق على أساس أي معيار، لأن مثل هذه المقارنة لا تصلح أساساً لبناء دولة دستورية. وإنما تعتمد الورقة معياراً مختلفاً، يتمثل في قياس أداء المرحلة الانتقالية على المبادئ التي قامت من أجلها الثورة السورية، وفي مقدمتها الكرامة الإنسانية، والمواطَنة المتساوية، وسيادة القانون، وخضوع السلطة للمساءلة، إضافة إلى المبادئ المستقرة في الفقه الدستوري المقارن وتجارب الانتقال الديمقراطي. فالثورة لا تستمد مشروعيتها من إسقاط النظام السياسي فحسب، بل من قدرتها على تأسيس نظام دستوري يمنع إعادة إنتاج الأسباب التي أدت إلى اندلاعها.
وانطلاقاً من هذا الإطار، تسعى الورقة إلى الإجابة عن سؤال محوري: هل أسهم البناء الدستوري والمؤسسي للمرحلة الانتقالية في نقل سوريا من شرعية الثورة إلى شرعية دستورية راسخة، أم أنه أعاد إنتاج نمط تركيز السلطة الذي ميّز الدولة السلطوية، وإن بصيغ وأدوات مختلفة؟ ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الأسئلة الجوهرية، من أبرزها: ما حدود الشرعية الثورية وشرعية الضرورة في الفقه الدستوري؟ وما العناصر التي لا غنى عنها لقيام الشرعية الدستورية؟ وهل تتوافر في المرحلة الانتقالية السورية منظومة حقيقية للفصل بين السلطات والرقابة المتبادلة؟ وما الآثار القانونية والسياسية المترتبة على غيابها؟ وما الإصلاحات المؤسسية اللازمة لمنع تحول المرحلة الانتقالية إلى مدخل لإعادة إنتاج السلطوية؟
وتفترض الورقة أن بناء الدولة الدستورية لا يتحقق بمجرد إصدار إعلان دستوري أو إنشاء مؤسسات تحمل أسماء السلطات التقليدية، بل يتطلب إقامة منظومة متكاملة من الضمانات المؤسسية التي تحول دون احتكار السلطة، وتضمن استقلال كل سلطة عن الأخرى، وتُخضِع الجميع لسيادة القانون. فكلما تراجعت هذه الضمانات، ضعفت الشرعية الدستورية، واتسعت مساحة الحكم الشخصي، حتى وإن احتفظ النظام بمظاهر دستورية شكلية.
أولاً: مفهوم الشرعية بوصفها أساساً لوجود السلطة وممارستها
تُشكّل الشرعية حجر الأساس في بناء الدولة الدستورية، لأنها لا تتعلق فقط بكيفية وصول السلطة إلى الحكم، وإنما بالأساس الذي يمنحها الحق في ممارسة الحكم، وبالحدود التي تضبط هذه الممارسة، وبالآليات التي تمنع تحول السلطة من وظيفة عامة إلى امتياز خاص لمن يمسك بها.
فالسلطة، من حيث الواقع السياسي، قد تنشأ في لحظات التحول الكبرى بفعل القوة، أو الانهيار، أو الثورة، أو الضرورة التاريخية. وقد تتمكن سلطة جديدة من فرض حضورها وإدارة مؤسسات الدولة بحكم امتلاكها أدوات السيطرة الفعلية، إلا أن القدرة الواقعية على الحكم لا تساوي بالضرورة الشرعية القانونية والسياسية للحكم.
وهنا تظهر الإشكالية المركزية التي رافقت تاريخ الدول الخارجة من أنظمة سلطوية أو حروب داخلية أو ثورات سياسية؛ كيف تنتقل السلطة من واقع القوة إلى مشروعية القانون؟
فمجرد سقوط نظام سابق لا يؤدي تلقائياً إلى قيام نظام شرعي بديل، لأن الشرعية ليست فراغاً يملؤه الطرف المنتصر، وإنما هي منظومة متكاملة من المبادئ والقواعد والمؤسسات التي تجعل ممارسة السلطة مقبولة ومقيدة في الوقت ذاته.
وهذا هو التحدي الذي واجهته سوريا منذ لحظة التحول السياسي الكبرى في 8 كانون الأول 2024؛ إذ لم يكن سقوط نظام الأسد مجرد انتقال في هوية من يمارس السلطة، وإنما كان لحظة تأسيسية أعادت طرح السؤال الدستوري الجوهري: ما مصدر شرعية السلطة الجديدة؟ وما حدودها؟ وكيف يمكن ضمان ألا تتحول سلطة نشأت على أنقاض الاستبداد إلى سلطة تعيد إنتاج أدواته؟
فالتحولات الثورية تنشئ عادةً شرعية أولية مرتبطة بفعل التغيير ذاته، لكنها تضع السلطة الجديدة أمام استحقاق أكثر تعقيداً وهو تحويل هذه الشرعية الاستثنائية إلى شرعية مؤسساتية مستقرة.
ومن هنا يميز الفكر السياسي والدستوري بين السلطة والشرعية، فالسلطة هي القدرة الواقعية على إصدار الأوامر وتنفيذها، أما الشرعية فهي الأساس الذي يجعل هذه الأوامر مقبولة وملزمة ضمن إطار قانوني وسياسي يعترف به المجتمع.
وبهذا المعنى، فإن السلطة التي تستند فقط إلى قدرتها على الفرض تبقى سلطة أمر واقع، بينما السلطة التي تستند إلى قواعد دستورية تحدد مصدرها واختصاصاتها وحدودها تصبح سلطة دولة.
وهذا التمييز يكتسب أهمية خاصة في المرحلة الانتقالية السورية؛ فالسلطة الجديدة نشأت من واقع ثوري وسياسي فرضته نهاية النظام السابق، لكنها لا تستطيع أن تجعل من هذا الواقع وحده مصدراً دائماً لشرعيتها، لأن الشرعية الثورية تفسر لحظة نشوء السلطة ولا تكفي وحدها لتحديد طبيعة الدولة التي ستنشأ بعدها.
إن الخطر الذي تواجهه المراحل الانتقالية لا يكمن فقط في بقاء آثار النظام القديم، بل أيضاً في احتمال أن تتحول السلطة التي جاءت لإنهاء الاستبداد إلى سلطة تستند إلى منطق الضرورة والاستثناء لتوسيع صلاحياتها، فتنتقل المشكلة من استبداد الأشخاص إلى استبداد البنية. ولهذا فإن جوهر الشرعية الدستورية لا يكمن في امتلاك السلطة، وإنما في تقييد السلطة.
فالسلطة التي لا تخضع لحدود أعلى منها، ولا تواجه رقابة مؤسساتية مستقلة، ولا تكون قراراتها قابلة للمراجعة والمساءلة، تصبح معرضة بطبيعتها للانحراف عن وظيفتها الأصلية، مهما كانت النيات المعلنة لمن يمارسها.
الشرعية الدستورية في لحظة إعادة تأسيس الدولة السورية
إن الدولة الدستورية الحديثة قامت على تحول جوهري في مفهوم الشرعية؛ فلم تعد شرعية الحكم مرتبطة بشخص الحاكم أو بانتصاره السياسي أو العسكري، وإنما أصبحت مرتبطة بوجود نظام قانوني يعلو على الجميع، بما في ذلك السلطة التي وضعته.
فالدستور في الدولة الحديثة ليس مجرد وثيقة لتنظيم السلطات، وإنما هو العقد الأعلى الذي يحدد كيفية إنتاج السلطة، ويضع الحدود التي لا يجوز تجاوزها، ويضمن أن الدولة لا تتحول إلى أداة بيد السلطة، بل أن السلطة تصبح أداة في خدمة الدولة والمجتمع.
ومن هنا فإن الانتقال السياسي الحقيقي لا يقاس فقط بسقوط سلطة قديمة وصعود سلطة جديدة، وإنما بمدى نجاحه في تغيير قواعد إنتاج السلطة نفسها.
وهذه هي النقطة المركزية في التجربة السورية الانتقالية؛ فالثورة التي أنهت نظاماً قام تاريخياً على تركيز السلطة في مركز واحد، وعلى ضعف الرقابة المؤسساتية، وعلى إخضاع المؤسسات التشريعية والقضائية لمنطق السلطة التنفيذية، لا يمكن أن تكتفي بإعادة توزيع مواقع الحكم، بل يتعين عليها إعادة بناء العلاقة بين السلطة والقانون.
فالمعيار ليس فقط من يحكم سوريا بعد 8 كانون الثاني 2024، وإنما طبيعة النظام الذي سيحكم سوريا بعد المرحلة الانتقالية:
هل سيكون نظاماً يجعل المؤسسات أقوى من الأشخاص؟
أم نظاماً يستبدل مركزاً سلطوياً بمركز سلطوي جديد؟
وهنا تظهر أهمية مفهوم الشرعية الدستورية، لأنها لا تمنح السلطة شرعيتها لمجرد وجودها، بل تربط هذه الشرعية بمدى التزامها بمبادئ محددة، وفي مقدمتها سيادة القانون، والفصل الحقيقي بين السلطات، واستقلال القضاء، والرقابة الدستورية، وحماية الحقوق والحريات والتداول السلمي للسلطة.
فالدولة التي لا تضع قيوداً على السلطة لا تستطيع أن تضمن عدم عودة الاستبداد، لأن الاستبداد ليس مرتبطاً فقط بشخص الحاكم، وإنما بالبيئة الدستورية التي تسمح بتركيز القوة دون رقابة.
السلطة الانتقالية السورية ومشكلة الانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية الدولية
جاءت السلطة الانتقالية السورية بوصفها نتيجة لتحول تاريخي أنهى النظام السابق، واستندت في مصدرها الأول إلى مفهوم الشرعية الثورية، أي إلى فكرة أن سقوط نظام الأسد جاء نتيجة إرادة تغييرية تستند إلى حق المجتمع في إنهاء نظام فقد مقومات شرعيته السياسية والأخلاقية.
وهذه الشرعية لها مكانتها في الفقه الدستوري؛ إذ أن الأنظمة السياسية التي تفقد قدرتها على حماية الحقوق أو تتحول إلى أدوات للهيمنة تفقد الأساس الأخلاقي والقانوني الذي يبرر استمرارها. لكن الشرعية الثورية، بطبيعتها، ليست شرعية دائمة للحكم، وإنما شرعية تأسيسية مؤقتة، فهي تمنح السلطة الانتقالية صلاحية إدارة لحظة التحول، لكنها لا تمنحها تفويضاً مفتوحاً لإعادة تعريف الدولة وفق إرادتها الخاصة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في كل انتقال ثوري فالسلطة الجديدة تستمد مشروعيتها من رفض احتكار السلطة، لكنها قد تفقد هذه الشرعية إذا أعادت إنتاج احتكار القرار.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي للسلطة الانتقالية السورية لا يتمثل في قدرتها على إدارة المرحلة فقط، وإنما في قدرتها على إنهاء المرحلة الاستثنائية والانتقال إلى نظام دستوري دائم. ويظهر هذا الاختبار بصورة واضحة في طبيعة الوثيقة الدستورية الانتقالية التي يفترض أن تكون أداة لتنظيم الانتقال، لا أداة لتكريس سلطة مؤقتة بصلاحيات مفتوحة. فوظيفة الدستور الانتقالي ليست حماية السلطة من المجتمع، وإنما حماية المجتمع من احتمال تجاوز السلطة.
ومن هنا فإن أي ترتيب دستوري انتقالي يجب أن يُقاس بالسؤال الآتي:
هل يضع قيوداً على السلطة القائمة، أم يمنحها أدوات إضافية لتوسيع نفوذها؟
وهذا السؤال هو جوهر النقاش حول طبيعة الإعلان الدستوري الانتقالي في سوريا؛ إذ أن منح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة، ولا سيما في مجال تشكيل المؤسسات الرقابية والقضائية، يثير إشكالية دستورية عميقة تتعلق بمدى قدرة النظام الانتقالي على تحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار المؤقت ومتطلبات بناء دولة القانون.
ثانياً: الشرعية الثورية وطبيعتها الاستثنائية
تظهر الشرعية الثورية في لحظات التحولات التاريخية الكبرى، عندما تصل العلاقة بين السلطة القائمة والمجتمع إلى مرحلة تفقد فيها السلطة مقومات قبولها السياسي والأخلاقي، ويصبح النظام القانوني والمؤسسي القائم عاجزاً عن أداء وظيفته الأساسية المتمثلة في حماية الحقوق وتنظيم ممارسة السلطة وتحقيق التوازن بين مؤسسات الدولة.
فالشرعية الثورية لا تنشأ باعتبارها امتداداً للنظام الدستوري السابق، وإنما باعتبارها قطيعة معه؛ إذ إن الثورة تفترض، في جوهرها، أنّ القواعد التي كانت تنظم إنتاج السلطة فقدت قدرتها على التعبير عن الإرادة العامة، وأنّ استمرار العمل بها يعني استمرار الأسباب التي أدت إلى انهيار الشرعية الأصلية.
ومن هذا المنطلق، فإن الشرعية الثورية تستند إلى فكرة دستورية وسياسية عميقة مفادها أن المجتمع لا يفقد حقه في إعادة تأسيس نظامه السياسي عندما تتحول الدولة من إطار لحماية الحقوق إلى أداة لمصادرتها.
غير أن هذه الطبيعة التأسيسية للشرعية الثورية تجعلها شرعية استثنائية بطبيعتها، فهي لا تقوم على الإجراءات الدستورية المعتادة، لأنها نشأت أصلاً نتيجة انهيار أو تجاوز النظام الدستوري السابق، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع أن تتحول إلى بديل دائم عن الدستور.
فالشرعية الثورية تمنح سلطة التأسيس، لكنها لا تمنح سلطة الاحتكار، وتمنح القدرة على إدارة الانتقال، لكنها لا تمنح الحق في إلغاء فكرة الانتقال.
وهذه القاعدة تمثل أحد أهم مبادئ الفقه الدستوري المقارن؛ إذ إن السلطة التي تنشأ في لحظة ثورية لا تستمد مشروعيتها من مجرد كونها وريثة للثورة، وإنما من مدى قدرتها على إنهاء الحالة الاستثنائية وبناء نظام دستوري مستقر.
الشرعية الثورية في التجربة السورية: بين لحظة القطيعة ومهمة التأسيس
تتجسد هذه الإشكالية بصورة واضحة في التجربة السورية بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، حيث نشأت السلطة الانتقالية الجديدة في سياق قطيعة تاريخية مع نظام فقد مقومات شرعيته، واستندت في وجودها إلى مفهوم أن التغيير الذي حدث لم يكن مجرد انتقال إداري أو تعديل سياسي، وإنما تحول جذري في مصدر الشرعية السياسية.
فالنظام السابق كان يستمد وجوده الدستوري من دستور 2012 ومن مؤسسات الدولة القائمة في ظاهره، إلا أن انهياره السياسي أنهى القدرة على اعتبار هذه المنظومة مصدراً صالحاً لإنتاج شرعية جديدة. ولذلك انتقلت مسألة الشرعية إلى مجال آخر هو مجال الشرعية الثورية والانتقالية.
فمصدر الشرعية الأول للسلطة الجديدة لم يكن انتخابات عامة، ولا تفويضاً دستورياً صادراً عن المؤسسات السابقة، وإنما اللحظة الثورية التي أنهت النظام القديم وفتحت الطريق أمام إعادة بناء الدولة.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين مرحلتين:
المرحلة الأولى: مرحلة القطيعة؛ وفيها تكون الأولوية لإنهاء النظام السابق، وإعادة تنظيم مؤسسات الدولة، ومنع عودة البنية التي أنتجت الاستبداد.
المرحلة الثانية: مرحلة التأسيس الدستوري؛ وفيها تنتقل الشرعية من الفعل الثوري إلى القاعدة الدستورية، بحيث تصبح المؤسسات والقوانين هي مصدر تنظيم السلطة، وليس اللحظة الثورية ذاتها.
والخطر الذي تواجهه المرحلة السورية يتمثل في احتمال الخلط بين هاتين المرحلتين؛ أي التعامل مع الشرعية الثورية باعتبارها مصدراً دائماً للسلطة، بدل اعتبارها جسراً مؤقتاً نحو الشرعية الدستورية.
محدودية الشرعية الثورية، من حق التغيير إلى واجب بناء النظام الجديد
إن الاعتراف بالشرعية الثورية لا يعني منح السلطة المنبثقة عنها حصانة من النقد أو الرقابة، لأن الثورة في الفكر الدستوري ليست غاية بذاتها، وإنما وسيلة لإعادة تأسيس نظام أكثر عدلاً وحرية.
فالشرعية الثورية التي قامت على رفض سلطة غير مقيدة لا يمكن أن تبرر إنشاء سلطة جديدة غير مقيدة، وهنا يظهر التناقض الأخطر في المراحل الانتقالية؛ أن تتحول الأدوات التي استخدمت لتحرير المجتمع من الاستبداد إلى أدوات تمنح السلطة الجديدة قدرة واسعة على ممارسة الحكم دون رقابة كافية.
ولهذا فإن الشرعية الثورية تخضع لقيدين أساسيين:
أولاً: القيد الوظيفي:
فالوظيفة الأساسية للسلطة الثورية أو الانتقالية ليست تثبيت وجودها، وإنما تهيئة شروط قيام نظام دستوري جديد.
أي أن مهمتها ليست أن تصبح سلطة دائمة، بل أن تنشئ مؤسسات تمنع أي سلطة مستقبلية من العودة إلى الحكم المطلق.
ثانياً: القيد الزمني:
فالمرحلة الانتقالية بطبيعتها مرحلة مؤقتة، وكلما طال أمدها دون الوصول إلى دستور دائم وانتخابات ومؤسسات مستقلة، تحولت من مرحلة انتقال إلى حالة حكم قائمة بذاتها.
وهنا تظهر إحدى أخطر الظواهر في التجارب الانتقالية، وهي ما يمكن تسميته ب دسترة الاستثناء. ويقصد بها تحويل الإجراءات الاستثنائية التي فرضتها ظروف الانتقال إلى قواعد دائمة تنظم الحكم، بحيث تصبح السلطة التي كان يفترض أن تكون مؤقتة هي القاعدة الجديدة.
الشرعية الثورية بين النجاح والفشل
إن الشرعية الثورية السورية ستبقى مرتبطة تاريخياً بقدرتها على الإجابة عن سؤال واحد؛ هل كانت وسيلة لإنشاء دولة دستورية جديدة أم أنها تحولت إلى مبرر لإطالة المرحلة الاستثنائية؟
فالشرعية الثورية تكون ناجحة عندما تستخدم قوتها التاريخية لتأسيس مؤسسات تحد من السلطة، وتكون فاشلة عندما تستخدم هذه القوة لتبرير توسيع السلطة.
وبالتالي فإن المقياس الحقيقي ليس بقاء الخطاب الثوري، وإنما مدى الانتقال منه إلى قواعد دستورية مستقرة.
فالثورة التي تنجح في إسقاط الحاكم لكنها تفشل في تقييد الحاكم الجديد تكون قد غيرت الأشخاص ولم تغير قواعد الحكم.
ولهذا فإن التحدي السوري في المرحلة الانتقالية ليس فقط بناء سلطة جديدة، وإنما بناء نظام يمنع أي سلطة جديدة من التحول إلى استبداد جديد.
ثالثاً: العلاقة بين الشرعية الثورية والشرعية الدستورية
لا يمكن فهم المرحلة الانتقالية في سوريا من خلال وضع الشرعية الثورية والشرعية الدستورية في موضع التعارض المطلق، كما لا يصح النظر إليهما باعتبارهما مصدرين متساويين للسلطة في المرحلة ذاتها. فالعلاقة بينهما، في جوهرها، علاقة انتقال وتحول في أساس المشروعية: تبدأ بشرعية استثنائية تبرر الخروج على النظام السياسي والقانوني القائم عندما يفقد مقوماته، ثم يفترض أن تنتهي إلى شرعية دستورية تجعل السلطة نفسها خاضعة لقواعد عامة ومؤسسات مستقرة وإرادة شعبية قابلة للتجدد والمساءلة.
وتتجلى أهمية هذا التمييز في الحالة السورية بصفة خاصة؛ إذ إن سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 أوجد قطيعة سياسية ومؤسساتية عميقة، لم يكن من الممكن معها ببساطة استعادة النظام الدستوري السابق وإعادة تشغيل مؤسساته بالصورة ذاتها، وفي الوقت نفسه لم يكن من الممكن اعتبار القوة التي أحدثت التغيير مصدراً دائماً للسلطة. ومن هنا نشأت الحاجة إلى أساس انتقالي يبرر استمرار مؤسسات الحكم خلال الفترة الفاصلة بين انهيار النظام السابق وقيام نظام دستوري جديد.
فالشرعية الثورية، من هذا المنظور، تؤدي وظيفة التأسيس الأولي للمرحلة الانتقالية، بينما تؤدي الشرعية الدستورية وظيفة تأسيس الدولة التي يفترض أن تنشأ من هذه المرحلة. الأولى تفسر لماذا حدث الانتقال، والثانية تحدد كيف ينبغي أن تُمارس السلطة بعد حدوثه. الأولى مرتبطة بلحظة تاريخية استثنائية، أما الثانية فمرتبطة ببناء نظام سياسي وقانوني دائم. ولذلك لا يجوز أن تتحول الشرعية التي بررت إزالة النظام القديم إلى مصدر دائم لتبرير استمرار النظام الجديد خارج القواعد الدستورية.
والفارق هنا ليس شكلياً، وإنما يتعلق بطبيعة السلطة ذاتها. فالشرعية الثورية تستمد قوتها من فعل التغيير، بينما تستمد الشرعية الدستورية قوتها من قواعد إنتاج السلطة وممارستها ومراقبتها. وفي الأولى يكون السؤال المركزي: هل كان إسقاط النظام القائم مشروعاً؟ أما في الثانية فيتحول السؤال إلى: هل أصبحت السلطة التي نشأت بعد سقوطه مقيدة بالقانون، وخاضعة للرقابة، وقابلة للتداول، ومستندة إلى إرادة عامة حقيقية؟
ومن ثم، فإن نجاح الثورة لا ينتهي عند لحظة إسقاط السلطة السابقة، بل يبدأ عندها سؤال أكثر تعقيداً: كيف تتحول القوة التي أسقطت النظام القديم إلى سلطة دولة لا تعيد إنتاج أسباب الاستبداد بأشكال جديدة؟
وهذه النقطة تمثل جوهر العلاقة بين الشرعيتين. فالشرعية الثورية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تفويضاً مفتوحاً لمن قاد عملية التغيير، وإنما باعتبارها شرعية تأسيسية مؤقتة تبرر اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة بناء الدولة وإطلاق عملية الانتقال. ومتى استقرت مؤسسات الدولة الجديدة وبدأت عملية بناء النظام الدستوري، وجب أن تتراجع هذه الشرعية تدريجياً لمصلحة الشرعية الدستورية.
وبعبارة أخرى، فإن الشرعية الثورية لا تملك منطقاً ذاتياً يبرر استمرارها إلى ما لا نهاية؛ إذ إن استمرارها بعد اكتمال شروط الانتقال قد يؤدي إلى نتيجة تناقض الغاية التي قامت من أجلها. فإذا كانت الثورة قد قامت في جوهرها رفضاً لاحتكار السلطة، فإن تحويل الانتصار الثوري إلى مصدر دائم للسلطة يعني نقل مركز الاحتكار من نظام إلى آخر، لا تغيير قاعدة الحكم ذاتها.
ومن هنا يمكن القول إن الشرعية الثورية شرعية طريق، وليست شرعية غاية. فهي تفتح الطريق أمام إعادة تأسيس الدولة، لكنها لا تحل محل الدستور. وهي تبرر الانتقال، لكنها لا تبرر تعطيل نهايته. وهي تمنح السلطة الانتقالية القدرة على إدارة المرحلة الاستثنائية، لكنها لا تمنحها حق تحويل الاستثناء إلى قاعدة دائمة للحكم.
وتزداد أهمية هذا التصور في سوريا بالنظر إلى أن السلطة التي نشأت بعد سقوط النظام السابق لم تصل إلى الحكم من خلال انتخابات عامة أو تفويض دستوري صادر عن دستور نافذ، وإنما نشأت في سياق ثوري وعسكري وسياسي استثنائي. وهذا أمر يمكن تفسيره في إطار الشرعية الثورية والضرورة الانتقالية، لكنه يظل، من الناحية الدستورية، أساساً انتقالياً لا يغني عن اكتساب الشرعية الدستورية الكاملة.
فالفارق بين أن تكون السلطة الانتقالية شرعية لأنها نشأت في سياق ثوري، وبين أن تكون شرعية لأنها أصبحت لاحقاً جزءاً من نظام دستوري، هو الفارق بين شرعية النشأة وشرعية الممارسة. وقد تكون السلطة مشروعة في أصل نشأتها، لكنها لا تحافظ على مشروعيتها بالضرورة إذا انحرفت طريقة ممارستها للسلطة عن الغاية التي قامت المرحلة الانتقالية لتحقيقها.
وهنا تظهر الوظيفة الحقيقية للدستور في المرحلة الانتقالية. فالدستور ليس مجرد وثيقة تأتي في نهاية المسار، وإنما هو الأداة التي تنقل السلطة من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات، ومن منطق القوة السياسية إلى منطق القاعدة القانونية. ولذلك فإن الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية لا يعني فقط إصدار وثيقة دستورية جديدة، وإنما يعني قبل ذلك تغيير مصدر السلطة وطريقة ممارستها ومنظومة الرقابة عليها.
فالشرعية الدستورية لا تتحقق بمجرد إعلان وجود دستور، وإنما عندما يصبح الدستور هو المرجعية العليا التي تخضع لها السلطة، وعندما تصبح قواعد تولي الحكم وممارسته وإنهائه مستقلة عن إرادة الأشخاص الذين أداروا المرحلة الانتقالية. وبذلك تنتقل الدولة من سؤال «من قاد التغيير؟» إلى سؤال «ما القواعد التي تحكم الدولة بعد التغيير؟».
ومن هنا فإن الشرعية الثورية تكتسب مشروعيتها الدستورية بقدر ما تعمل على إنتاج الشرعية الدستورية. وهذه ليست مجرد علاقة سياسية أو أخلاقية، وإنما يمكن اعتبارها معياراً موضوعياً لتقييم المرحلة الانتقالية نفسها. فإذا كانت الإجراءات التي تتخذها السلطة الانتقالية تؤدي إلى بناء المؤسسات، وإرساء استقلال القضاء، وتوسيع المشاركة العامة، وإعداد دستور يحظى بشرعية حقيقية، وإقامة انتخابات حرة، فإن الشرعية الثورية تكون قد أدت وظيفتها التاريخية وانتقلت بصورة طبيعية إلى الشرعية الدستورية.
أما إذا أصبحت الشرعية الثورية مبرراً لتأجيل هذه الاستحقاقات، أو لتوسيع الاختصاصات الاستثنائية، أو لتبرير استمرار مركزية القرار، أو لإضفاء المشروعية على استمرار السلطة دون تجديد حقيقي لمصدرها، فإن العلاقة بين الشرعيتين تنقلب من علاقة انتقال إلى علاقة إحلال؛ أي تصبح الشرعية الثورية بديلاً عن الشرعية الدستورية بدل أن تكون طريقًا إليها.
وهنا تحديداً يكمن أحد الاختبارات الدقيقة للتجربة السورية. فالمعيار لا ينبغي أن يكون مجرد الاعتراف بأن السلطة الانتقالية نشأت في ظروف استثنائية، لأن ذلك أمر يتعلق بمرحلة النشأة، وإنما ينبغي أن يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: هل تستخدم السلطة الانتقالية الشرعية التي استمدتها من لحظة التغيير لإنشاء نظام يحد من سلطتها هي نفسها؟
إن السلطة الانتقالية التي تنجح في بناء المؤسسات التي تستطيع مراقبتها تكون قد حولت شرعيتها الثورية إلى شرعية مؤسسية. أما السلطة التي تستخدم شرعيتها الأولى لتبرير عدم إخضاعها للرقابة، فإنها تبقى أسيرة لمنطق الشرعية الاستثنائية، حتى لو حملت مؤسساتها الجديدة أسماء دستورية.
وهذا يقود إلى مبدأ بالغ الأهمية في الفقه الدستوري الانتقالي، مفاده أن السلطة التي تنشأ خارج النظام الدستوري القائم تكون مطالبة، من حيث المبدأ، بأن تكون أكثر حرصاً على تأسيس القيود الدستورية، لا أقل حرصاً عليها. ذلك أن عدم وجود تفويض انتخابي سابق أو شرعية دستورية مكتملة يفرض على السلطة الانتقالية أن تعوض هذا النقص بتوسيع دائرة التوافق والمشاركة والرقابة، لا بتوسيع مجال السلطة الذاتية.
وبهذا المعنى، فإن الشرعية الثورية لا ينبغي أن تكون مصدراً للامتياز السياسي، وإنما مصدراً للمسؤولية التاريخية. فالذين وصلوا إلى السلطة عبر لحظة استثنائية لا يكتسبون بذلك حقاً دائماً في البقاء، وإنما يتحملون مسؤولية نقل الدولة من الحالة الاستثنائية إلى الحالة الدستورية.
ومن هنا أيضاً فإن الشرعية الثورية لا تنتقل إلى الشرعية الدستورية تلقائياً بمجرد مرور الزمن. فالزمن وحده لا يحول السلطة الانتقالية إلى سلطة دستورية، كما أن استمرار المؤسسات الانتقالية لا يمنحها بالضرورة شرعية دائمة. إنما يحدث الانتقال الحقيقي عندما تتغير قواعد إنتاج السلطة نفسها، بحيث يصبح مصدر السلطة المستقبلية منفصلاً عن الظروف التي أوجدت السلطة الانتقالية.
وهذا يفسر لماذا تمثل الانتخابات والدستور الدائم وإعادة بناء المؤسسات الدستورية، في أي تجربة انتقالية، أكثر من مجرد استحقاقات إجرائية. فهي الوسائل التي يتم من خلالها تحويل الشرعية التاريخية إلى شرعية قانونية ومؤسسية. فالدستور يضع قواعد السلطة، والانتخابات تمنحها مصدراً شعبياً متجدداً، والقضاء يراقب حدودها، والمؤسسات التشريعية تمارس الرقابة عليها، والحقوق والحريات تضع حدوداً لا تستطيع السلطة تجاوزها لمجرد امتلاكها القوة السياسية.
وفي الحالة السورية، تكتسب هذه المسألة بعداً إضافياً بسبب الطبيعة المركبة للمجتمع والدولة بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام. فالدستور المقبل لا ينبغي أن يكون مجرد وثيقة تصدر عن السلطة الانتقالية، وإنما ينبغي أن يكون الأداة التي يتم من خلالها إعادة تأسيس العقد السياسي بين السوريين. وهذا يعني أن الشرعية الدستورية المقبلة لا ينبغي أن تكون امتداداً شخصياً للسلطة الانتقالية، وإنما قطيعة مؤسسية مع فكرة أن من امتلك زمام المرحلة الأولى يمتلك بالضرورة حق تحديد قواعد المرحلة التالية بصورة منفردة.
ومن هنا، فإن العلاقة بين الشرعيتين تقوم على ثلاث مراحل مترابطة؛
مرحلة أولى:
الشرعية الثورية بوصفها شرعية هدم للنظام غير المشروع، وفيها تكون الأولوية لإنهاء النظام الذي فقد مقومات مشروعيته وإيجاد سلطة قادرة على منع انهيار الدولة.
مرحلة ثانية:
الشرعية الانتقالية بوصفها شرعية لإدارة التحول، وفيها تكون السلطة مطالبة بإدارة مؤسسات الدولة، وتأمين الاستقرار، وإعادة بناء المؤسسات، وتهيئة الظروف السياسية والقانونية لقيام النظام الجديد، مع بقاء صلاحياتها مرتبطة بغاية الانتقال ومدته.
مرحلة ثالثة:
الشرعية الدستورية بوصفها شرعية بناء الدولة، وفيها يصبح مصدر السلطة هو الدستور والإرادة العامة والمؤسسات المنتخبة، وتصبح ممارسة الحكم خاضعة لمبدأ سيادة القانون والرقابة والتداول السلمي للسلطة.
ولا يجوز، دستورياً، أن تتداخل هذه المراحل بحيث تستمر المرحلة الأولى في إنتاج قواعد المرحلة الثالثة، أو أن تستخدم السلطة الانتقالية طبيعة نشأتها الاستثنائية لتقرر بصورة نهائية قواعد نظام يفترض أن يشارك الشعب ومؤسساته التمثيلية في تحديده.
فإذا كانت الثورة قد أنهت احتكار النظام السابق لتحديد قواعد السلطة، فإن اكتمال الثورة دستورياً يقتضي ألا تنتقل سلطة تحديد قواعد المستقبل إلى احتكار جديد، أياً كان مصدره أو مبرراته.
وهنا تتضح قيمة مفهوم السيادة الشعبية بوصفه الحلقة التي تصل الشرعية الثورية بالشرعية الدستورية. فالشرعية الثورية تدعي، في أصلها، أنها تعبر عن إرادة شعبية في التغيير؛ أما الشرعية الدستورية فتتطلب أن تتحول هذه الإرادة من حالة احتجاج أو ثورة إلى مؤسسات وقواعد وإجراءات تمكن الشعب من التعبير عن إرادته بصورة دورية وسلمية. وبذلك لا تكون الثورة قد استبدلت سلطة بسلطة، وإنما تكون قد نقلت مصدر السلطة من الأشخاص إلى المجتمع ومن الإرادة المنفردة إلى القاعدة الدستورية.
ومن هذه الزاوية، فإن الشرعية الدستورية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها نقيضاً للشرعية الثورية، بل باعتبارها الاختبار النهائي لصدقها. فكلما اقتربت السلطة الانتقالية من إنشاء نظام دستوري يقوم على المشاركة والرقابة والتداول، أثبتت أن الشرعية التي حملتها في لحظة التغيير كانت موجهة إلى بناء دولة جديدة. وكلما ابتعدت عن ذلك، وأصبح الاستثناء وسيلة لتبرير استمرار السلطة أو توسيعها، نشأ تناقض بين مصدر الشرعية الأول والغاية التي يفترض أن تنتهي إليها.
ولهذا فإن السؤال الدستوري الأكثر دقة في التجربة السورية ليس ما إذا كانت الشرعية الثورية مشروعة من حيث الأصل فحسب، وإنما ما إذا كانت السلطة الانتقالية قد حافظت على الوظيفة الانتقالية لهذه الشرعية أم بدأت تتعامل معها باعتبارها مصدرًا مستمراً للسلطة.
فالشرعية الثورية لا تمنح صاحبها حق امتلاك المستقبل الدستوري للدولة. إنها تمنحه، في أحسن الأحوال، مسؤولية تمهيد الطريق إليه.
ومن ثم، فإن الانتقال الحقيقي من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية لا يتحقق عندما تتوقف السلطة عن استخدام لغة الثورة، وإنما عندما تتوقف الدولة عن الاعتماد على الثورة كمصدر مستمر للسلطة. عندها فقط يصبح الدستور هو المرجع، والمؤسسة هي الوسيط، والانتخابات هي وسيلة التجديد، والقانون هو الحد الفاصل بين إرادة الحاكم وإرادة الدولة.
وبذلك يمكن صياغة القاعدة الحاكمة للعلاقة بين الشرعيتين على النحو الآتي:
الشرعية الثورية تبرر الانتقال، لكنها لا تبرر الاستمرار؛ والشرعية الدستورية لا تنشأ من انتصار الثورة وحده، وإنما من تحويل غاياتها إلى قواعد ومؤسسات وضمانات تقيّد السلطة التي نشأت عنها.
ومن هنا، فإن نجاح المرحلة الانتقالية السورية لا يقاس فقط بقدرتها على إسقاط النظام السابق أو المحافظة على وحدة الدولة أو إدارة مؤسساتها في الظروف الصعبة، وإنما بقدرتها على إنهاء الحاجة إلى الشرعية الاستثنائية ذاتها. فكلما نجحت السلطة الانتقالية في بناء المؤسسات التي تجعل وجودها الاستثنائي غير ضروري، اقتربت من إتمام مهمتها. أما إذا أصبح استمرار المرحلة الاستثنائية شرطًا لاستمرار السلطة، فإن الانتقال يكون قد بدأ يفقد معناه الدستوري.
وعليه، فإن العلاقة الصحيحة بين الشرعية الثورية والشرعية الدستورية هي علاقة تأسيس وتسليم: تؤسس الأولى الطريق، ثم تسلّم السلطة إلى الثانية؛ تفتح الأولى المجال لإعادة بناء الدولة، ثم تتراجع لمصلحة المؤسسات؛ تمنح الأولى شرعية الخروج من النظام القديم، ثم تمنح الثانية شرعية الحكم في النظام الجديد.
وفي هذه النقطة تحديداً تكمن القيمة الدستورية الكبرى للمرحلة الانتقالية السورية: ليس المطلوب أن تثبت السلطة الجديدة أنها قادرة على أن تحكم كما كان يحكم النظام السابق، ولكن بغايات مختلفة، وإنما أن تثبت أنها قادرة على بناء نظام لا يستطيع أي حاكم، مهما كانت شرعيته الأولى، أن يحكم فيه بالطريقة التي كان يحكم بها النظام السابق.
فإذا تحقق ذلك، تكون الشرعية الثورية قد بلغت غايتها الطبيعية وتحولت إلى شرعية دستورية. أما إذا بقيت قواعد السلطة مرتبطة بالأشخاص الذين أفرزتهم لحظة التغيير، فإن الانتقال يظل سياسياً أكثر منه دستورياً، وتبقى الدولة عالقة بين شرعية الثورة التي انتهت مهمتها وشرعية الدستور التي لم تكتمل بعد.
وهنا تحديداً يظهر المعنى الأعمق للانتقال الدستوري: أن تنتقل الدولة من شرعية من أسقط النظام إلى شرعية القواعد التي تمنع إعادة إنتاج النظام الذي أُسقط.
رابعاً: شرعية الضرورة وحدودها الدستورية
بين مقتضيات إنقاذ الدولة وخطر تحوّل الاستثناء إلى قاعدة للحكم
تتخذ مسألة الضرورة في المراحل الانتقالية أهمية خاصة؛ إذ لا تنشأ السلطة الانتقالية عادة في بيئة دستورية مستقرة تسمح بتطبيق القواعد والإجراءات المقررة في الظروف العادية، وإنما تظهر في لحظة تاريخية مضطربة تتداخل فيها اعتبارات المحافظة على كيان الدولة مع مقتضيات إعادة بناء مؤسساتها، وتتقاطع فيها ضرورات الأمن مع متطلبات الحقوق والحريات، وتتزاحم فيها الحاجة إلى سرعة القرار مع ضرورة إخضاع السلطة للرقابة القانونية والدستورية.
ومن ثم، فإن الاعتراف بشرعية الضرورة لا ينطلق من إنكار الظروف الاستثنائية، ولا من تجاهل ما تفرضه مرحلة الانتقال من مخاطر حقيقية، وإنما من إدراك أن الدولة قد تجد نفسها، في لحظات معينة، أمام أخطار لا تكفي الأدوات القانونية والسياسية التي تعمل في الظروف الطبيعية لمواجهتها. غير أن هذا الاعتراف لا يؤدي، في الدولة الدستورية، إلى إطلاق يد السلطة، بل على العكس من ذلك؛ إذ كلما اشتدت الضرورة ازدادت الحاجة إلى تحديدها وضبطها ومراقبتها، حتى لا تتحول من وسيلة لحماية الدولة إلى وسيلة لإعادة تشكيل الدولة وفق إرادة السلطة القائمة.
فالضرورة، في أصلها الدستوري، ليست مصدراً مستقلاً للسلطة، وإنما حالة استثنائية تبرر، في حدود ضيقة، استخدام وسائل استثنائية لحماية أصل سابق عليها وأعلى منها، هو الدولة والقانون والنظام العام والحقوق الأساسية. ولذلك فإن القول بوجود الضرورة لا يكفي بذاته لإضفاء المشروعية على الإجراء المتخذ؛ إذ يبقى السؤال الدستوري قائماً حول طبيعة الخطر، ومدى حقيقته، ودرجة إلحاحه، ومدى ارتباط الإجراء به، ومدى ضرورته، وتناسبه، ومدته، والجهة التي تملكه، والرقابة التي تخضع لها آثاره.
وهنا تكمن القاعدة الجوهرية التي ينبغي أن تحكم كل مرحلة انتقالية: الضرورة تبرر الاستثناء بقدر ما يكون الاستثناء ضرورياً لحماية القاعدة، ولا تبرر تعطيل القاعدة بحجة حمايتها.
وتزداد أهمية هذه القاعدة في التجربة السورية بعد سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024؛ فقد وجدت الدولة نفسها أمام وضع مركب لا يمكن اختزاله في مجرد انتقال سياسي. فثمة مؤسسات تحتاج إلى إعادة بناء، وأجهزة أمنية وعسكرية تحتاج إلى إعادة تنظيم، واقتصاد منهك يحتاج إلى إعادة تشغيل، وانقسامات اجتماعية ومناطقية عميقة، فضلاً عن تحديات أمنية حقيقية واختلالات في السيطرة على السلاح ومراكز القوة. وقد أظهرت أحداث الساحل في آذار/مارس 2025، ثم أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025، وما رافقها من عنف واسع النطاق وانتهاكات خطيرة، أن السلطة الانتقالية لم تكن تدير انتقالاً مؤسسياً في ظروف هادئة، وإنما كانت تواجه بالفعل أزمات يمكن أن تشكل، في بعض صورها، أساساً لتدابير استثنائية محددة. وقد وثقت لجنة تقصي الحقائق السورية لاحقاً مقتل 1,426 شخصاً في أحداث الساحل بين 6 و9 آذار/مارس 2025، بما في ذلك مدنيون وأفراد من قوات الأمن، وهو ما يبين أن المسألة لم تكن مجرد اضطراب أمني عابر.
ومن الوجه الآخر، فإن أحداث السويداء التي بدأت في 13 تموز/يوليو 2025 أظهرت بدورها مدى هشاشة الوضع الأمني والاجتماعي؛ فقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 814 شخصًا وإصابة أكثر من 903 آخرين في حصيلة أولية حتى 24 تموز/يوليو، شملت مدنيين ومقاتلين وعناصر من قوات الأمن ووزارة الدفاع، في سياق اتسم بالعنف الطائفي والنزوح والانتهاكات الواسعة.
وهذه الوقائع لا تؤدي، من الناحية الدستورية، إلى نتيجة مفادها أن السلطة الانتقالية تملك، لمجرد وجود الخطر، صلاحية مفتوحة لاتخاذ ما تشاء من تدابير؛ وإنما تؤدي إلى نتيجة أكثر دقة: أن بعض التدابير الاستثنائية قد تصبح مشروعة من حيث المبدأ عندما يكون الخطر حقيقياً ومحدداً، ولكن مشروعية كل تدبير تظل مستقلة عن مشروعية الظرف الذي نشأ فيه، وتحتاج إلى اختبار خاص بها.
فليس كل ما يحدث في الدولة الاستثنائية إجراءً استثنائياً، وليس كل قرار يصدر في مرحلة انتقالية قرار ضرورة، وليس كل استناد إلى “المصلحة الوطنية العليا” أو “متطلبات المرحلة” كافياً لإثبات قيام الضرورة بالمعنى الدستوري.
الضرورة ليست تفويضاً مفتوحاً للسلطة
إذا كانت الضرورة تسمح في بعض الظروف بالخروج المحدود عن آليات العمل المعتادة، فإنها لا تنشئ سلطة فوق القانون، ولا تمنح السلطة القائمة تفويضاً عاماً بإعادة تعريف حدود اختصاصها كلما رأت أن الظروف تستدعي ذلك.
وهذه التفرقة أساسية؛ لأن الخلط بين وجود حالة ضرورة وبين امتلاك سلطة مطلقة بسبب حالة الضرورة هو أول طريق لتحويل الاستثناء إلى قاعدة.
فالسلطة الانتقالية قد تكون مضطرة إلى اتخاذ قرار سريع لإعادة تنظيم جهاز أمني، أو منع انهيار مؤسسة حيوية، أو حماية مرفق عام، أو مواجهة تهديد مسلح، ولكن ذلك لا يعني أن كل قرار لاحق يصدر عنها في مجال آخر يكتسب تلقائياً الصفة الاستثنائية ذاتها. فالرابطة بين الضرورة والإجراء يجب أن تكون رابطة مباشرة ومحددة، لا مجرد رابطة سياسية عامة تقوم على القول إن الدولة تمر بمرحلة استثنائية.
ويكشف التطبيق السوري أهمية هذه التفرقة بوضوح. فقد صدر القرار الرئاسي رقم (5) لعام 2025 بتاريخ 12 آذار/مارس 2025 بتشكيل مجلس الأمن القومي برئاسة رئيس الجمهورية، وضم وزير الخارجية ووزير الدفاع ومدير الاستخبارات العامة ووزير الداخلية، إضافة إلى أعضاء ومستشارين يعيّن رئيس الجمهورية بعضهم، وذلك في سياق معلن هدفه تعزيز الأمن القومي والاستجابة للتحديات الأمنية والسياسية في المرحلة الانتقالية.
ولا يصح من الناحية العلمية وصف إنشاء مثل هذا المجلس، في ذاته، بأنه تجاوز للضرورة؛ إذ إن إعادة بناء منظومة الأمن القومي في دولة خرجت لتوها من حرب طويلة وفراغ مؤسسي قد تدخل، من حيث المبدأ، في نطاق الحاجات الانتقالية المشروعة.
غير أن معيار المشروعية لا يتوقف عند لحظة إنشاء المؤسسة، بل يمتد إلى طبيعة اختصاصاتها، وحدودها، وآلية اتخاذ قراراتها، ومدى خضوعها للرقابة، ومدى ارتباط استمرار صلاحياتها باستمرار الضرورة التي أنشئت لمواجهتها. فالضرورة لا تكتسب مشروعيتها من اسم المؤسسة أو من الغاية المعلنة لإنشائها، وإنما من انضباط الوسيلة بالغاية ومن بقاء السلطة داخل الحدود التي يقتضيها الخطر فعلاً.
ومن هنا فإن السؤال الدستوري الأكثر دقة ليس: هل كانت سوريا تحتاج إلى إعادة تنظيم أمنها القومي؟ وإنما: هل جاءت هذه الإعادة في صورة مؤسسية مؤقتة ومحددة الوظيفة، أم يمكن أن تتحول تدريجياً إلى مركز دائم لصناعة القرار السياسي والأمني خارج نطاق الرقابة المؤسسية المعتادة؟
وهذا هو الفارق بين استخدام الضرورة لحماية الدولة وبين استخدام الضرورة لتوسيع مجال السلطة.
الخطر الحقيقي والمحدد شرط سابق على الاحتجاج بالضرورة
لا تقوم الضرورة الدستورية على مجرد وجود صعوبات عامة، ولا على المخاوف السياسية، ولا على طبيعة المرحلة الانتقالية باعتبارها مرحلة استثنائية في حد ذاتها، وإنما تفترض وجود خطر حقيقي ومحدد تكون مواجهته ملحة إلى درجة تجعل الوسائل العادية غير كافية أو غير ملائمة.
وعليه، ينبغي التمييز بين مستويين من الظروف؛ الأول هو الخطر الذي يهدد الدولة أو النظام العام أو سلامة المجتمع بصورة مباشرة ومحددة، والثاني هو مجرد صعوبة إدارة الدولة أو الحاجة إلى سرعة الإنجاز أو الرغبة في تنفيذ برنامج سياسي أو اقتصادي معين.
فالأول قد يبرر، في حدود الضرورة والتناسب، تدبيراً استثنائياً؛ أما الثاني فلا يكفي، بمجرده، لتوسيع الاختصاصات الدستورية للسلطة التنفيذية.
وهذا التمييز مهم في الحالة السورية بصفة خاصة، لأن المرحلة الانتقالية قد تجعل كثيراً من الملفات تبدو عاجلة في الوقت ذاته. إلا أن اجتماع العاجل بالمهم لا يعني اجتماع الضروري بالاستثنائي.
فصدور المرسوم التشريعي رقم (67) لعام 2026 بتاريخ 20 آذار/مارس 2026، والمتضمن إضافة نسبة 50% إلى الرواتب والأجور المقطوعة للعاملين في الوزارات والإدارات والمؤسسات والشركات والمنشآت العامة وبعض جهات القطاع المشترك، يمثل قراراً اقتصادياً واجتماعياً واسع الأثر، وقد وصفته السلطة بأنه جزء من إصلاح منظومة الأجور وتنشيط الحركة الاقتصادية.
غير أن أهمية القرار الاجتماعية والاقتصادية لا تجعل منه، بالضرورة، إجراءً من إجراءات “الضرورة الدستورية”. فالمشروعية هنا لا تتعلق بمدى فائدة القرار أو حسن مقصده، وإنما بتحديد طبيعته القانونية: هل نحن أمام إجراء استثنائي فرضه خطر عاجل ومحدد، أم أمام سياسة عامة تتصل بإدارة الدولة واختياراتها الاقتصادية والاجتماعية؟
والتمييز ليس شكلياً؛ لأنه إذا جرى توسيع مفهوم الضرورة بحيث يشمل كل ما تعتبره السلطة مهماً أو عاجلاً أو نافعاً، فإن المفهوم يفقد حدوده القانونية، وتصبح “الضرورة” وصفاً عاماً يمكن إلحاقه بأي قرار، الأمر الذي ينقلها من مفهوم دستوري استثنائي إلى معيار سياسي مرن تحدده السلطة وفق تقديرها الخاص.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل احتجاج بالضرورة هو: ما الخطر المحدد الذي كان يتعين دفعه؟ وما العلاقة المباشرة بين هذا الخطر والتدبير المتخذ؟ وهل كان بالإمكان تحقيق الغاية ذاتها بوسيلة قانونية أقل استثناءً وأقل مساساً بتوازن السلطات؟
وبغير هذه الأسئلة تتحول الضرورة من قيد على السلطة إلى مبرر للسلطة.
موقوتية الضرورة: الاستثناء لا يعيش بعد السبب الذي أنشأه
الصفة الزمنية ليست عنصراً ثانوياً في شرعية الضرورة، وإنما هي من صميم طبيعتها. فالضرورة حالة طارئة، والطوارئ لا تكون طوارئ إذا استمرت إلى ما لا نهاية.
ومن ثم، فإن الإجراء الذي نشأ بسبب خطر استثنائي يجب أن يرتبط، بصورة واضحة أو قابلة للتحديد، بالفترة التي يقتضيها ذلك الخطر. فإذا زال السبب أو أمكن التعامل معه بالوسائل العادية، وجب أن تنتهي الصلاحية الاستثنائية أو أن يعاد إدماجها ضمن النظام القانوني العادي.
وهنا تظهر خصوصية المرحلة الانتقالية السورية؛ إذ إن الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025 جعل المرحلة الانتقالية محددة بخمس سنوات، أي إنه لم يتعامل مع الاستثناء باعتباره نظاماً سياسياً مفتوحاً، وإنما باعتباره جسراً يفترض أن يقود إلى نظام دستوري دائم.
والدلالة الدستورية لذلك عميقة: المرحلة الانتقالية لا تكون مشروعة فقط لأنها مؤقتة في التسمية، وإنما لأنها تعمل بصورة فعلية على إنهاء أسبابها وبناء المؤسسات التي تجعل استمرارها غير لازم.
وقد شهد المسار السوري تطوراً مؤسسياً مهماً في هذا الاتجاه مع إصدار المرسوم الرئاسي رقم (143) لعام 2026 بتاريخ 1 تموز/يوليو 2026، المتضمن تسمية أعضاء مجلس الشعب الجديد، ثم افتتاح المجلس أعماله في 12 تموز/يوليو 2026. وقد ضم المجلس 207 أعضاء من أصل 210، منهم 137 منتخبين و70 معينين رئاسياً، فيما بقيت مقاعد السويداء الثلاثة شاغرة بسبب تعذر إجراء الانتخابات فيها.
ومن الناحية المؤسسية، يمثل إنشاء مجلس الشعب خطوة في اتجاه الانتقال من إدارة المرحلة بآليات استثنائية إلى ممارسة الوظائف العامة عبر مؤسسات تشريعية. غير أن هذه الخطوة لا تنهي، بمجرد حدوثها، الإشكالية المرتبطة بالضرورة؛ بل تجعل السؤال أكثر إلحاحاً: إذا بدأت المؤسسات الانتقالية بالعمل، فما مقدار الصلاحيات الاستثنائية التي لا يزال استمرارها ضرورياً؟ وما الذي يمنع أن تتحول التدابير التي نشأت في ظل الفراغ المؤسسي إلى صلاحيات مستمرة حتى بعد بدء تشكل المؤسسات؟
فالانتقال الحقيقي لا يقاس فقط بظهور مؤسسات جديدة، وإنما بمدى انتقال الاختصاصات الفعلية إليها.
ومن هنا فإن استمرار بعض التدابير الاستثنائية بعد نشوء المؤسسات التشريعية والقضائية يجب ألا يُفترض أنه غير مشروع بصورة آلية، ولكنه يحتاج إلى تبرير أكثر صرامة؛ لأن عذر الفراغ المؤسسي، الذي قد يكون معتبراً في بداية المرحلة، يفقد شيئاً من قوته كلما بدأت المؤسسات البديلة في الظهور والعمل.
التناسب: ليست كل ضرورة تبرر كل وسيلة
حتى إذا ثبت وجود الخطر وثبتت الحاجة إلى التدخل الاستثنائي، فإن ذلك لا يعني أن كل وسيلة تصبح مشروعة. فالضرورة لا تلغي مبدأ التناسب، وإنما تجعله أكثر أهمية.
ويقتضي التناسب أن يكون التدبير أولاً صالحاً لتحقيق الغاية المشروعة، وثانياً ضرورياً بحيث لا توجد وسيلة أقل مساساً بالحقوق أو بتوازن السلطات تحقق الغاية نفسها، وثالثاً متوازناً بحيث لا تكون الأضرار التي يلحقها بالنظام الدستوري أكبر من الخطر الذي يراد دفعه.
ومن هنا فإن معيار الضرورة لا ينبغي أن ينصب فقط على وجود الحاجة، وإنما على مقدار السلطة التي استُخدمت لمواجهتها.
وتبرز هذه المسألة بصورة واضحة في الإعلان الدستوري السوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025؛ فقد نص على أن السلطة التنفيذية في المرحلة الانتقالية تتركز في رئيس الجمهورية، كما نص في المادة 47 على حل المحكمة الدستورية العليا القائمة وإنشاء محكمة دستورية عليا جديدة من سبعة أعضاء يسميهم رئيس الجمهورية من ذوي النزاهة والكفاءة والخبرة.
ولا يتعلق البحث هنا بتقييم الإعلان الدستوري برمته، وإنما بالبحث في علاقته بمبدأ الضرورة. فالقول إن المرحلة الانتقالية تستلزم مركزاً قوياً للقرار التنفيذي قد يكون له ما يفسره في ظروف إعادة بناء الدولة، لكن التفسير لا يساوي التبرير المطلق.
إذ كلما زاد تركيز الاختصاصات في جهة واحدة، ازدادت الحاجة إلى آليات موازية للرقابة. وكلما اتسعت سلطة الرئيس في إصدار القرارات والمراسيم، ازدادت أهمية وجود مؤسسة تشريعية فاعلة وقضاء مستقل ورقابة دستورية قادرة على فحص مدى تجاوز السلطة لحدود اختصاصها.
وبالتالي، فإن الإشكال الدستوري لا يكمن في مجرد وجود صلاحيات واسعة في مرحلة انتقالية، وإنما في تراكم الصلاحيات الواسعة مع ضعف القيود المقابلة عليها.
وهنا تظهر ضرورة القراءة النقدية المتزنة للتجربة السورية: فالمشكلة لا تتمثل في أن السلطة الانتقالية تملك أدوات واسعة، إذ قد تكون بعض هذه الأدوات ضرورية فعلاً في لحظة الانهيار، وإنما في أن شرعية الضرورة لا ينبغي أن تتحول إلى تفسير شامل لكل توسع في السلطة. فكل توسع جديد يحتاج إلى سبب جديد، وكل إجراء استثنائي يحتاج إلى مبرر محدد، وكل سلطة مؤقتة تحتاج إلى معيار واضح لانتهائها.
الضرورة والرقابة: من يراقب؟ من يعلن قيام الضرورة؟
ربما كانت هذه المسألة أكثر مسائل شرعية الضرورة حساسية؛ لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ من الاعتراف بالضرورة، وإنما من ترك تحديدها وآثارها للجهة المستفيدة منها.
فإذا كانت السلطة التنفيذية هي التي تحدد وجود الخطر، وهي التي تقرر أن الوسائل العادية غير كافية، وهي التي تختار التدبير الاستثنائي، وهي التي تحدد مدته، ثم لا تجد جهة مستقلة قادرة على مراجعة تقديرها، فإن الضرورة تنتقل من كونها مفهوماً قانونياً إلى كونها تقديراً سياسياً ذاتياً.
وهذا يتعارض مع جوهر دولة القانون.
وقد حاول الإعلان الدستوري وضع بعض القيود على إعلان حالة الطوارئ؛ إذ ربط إعلانها بقرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس الأمن القومي، واشترط موافقة مجلس الشعب على تمديدها. وتكشف هذه الصياغة عن إدراك مبدئي بأن الاستثناء لا ينبغي أن يظل في المجال التنفيذي الخالص.
غير أن فعالية الرقابة لا تقاس بوجود النص وحده، وإنما بقدرة المؤسسات التي يقررها النص على ممارسة رقابة حقيقية ومستقلة.
وهنا تبرز مسألة المحكمة الدستورية العليا تحديداً؛ إذ نصت المادة 47 من الإعلان الدستوري على حل المحكمة القائمة وإنشاء محكمة جديدة من سبعة أعضاء يسميهم رئيس الجمهورية.
وهذا الترتيب لا يسمح، من الناحية الأكاديمية، بتجاهل سؤال الاستقلال المؤسسي للرقابة الدستورية. فالمحكمة الدستورية ليست مجرد مؤسسة قضائية إضافية، وإنما هي في النظام الدستوري الجهة التي يفترض أن تقف على مسافة واحدة من السلطات، وأن تكون قادرة على فحص مشروعية أعمال السلطة التنفيذية والتشريعية، بما في ذلك الأعمال التي تبررها السلطة بالضرورة.
ومن ثم فإن منح سلطة التعيين لجهة واحدة في مرحلة تتمتع فيها تلك الجهة نفسها باختصاصات تنفيذية واسعة يثير، على أقل تقدير، سؤالاً مشروعاً حول مدى كفاية الضمانات المؤسسية لاستقلال الرقابة الدستورية.
ولا يلزم للوصول إلى هذه النتيجة القول إن المحكمة ستكون غير مستقلة حتماً؛ فذلك حكم سابق لأوانه. لكن يكفي، من منظور دستوري، ملاحظة أن قوة الرقابة على الاستثناء ينبغي أن تتناسب مع قوة السلطة التي تخضع لها الرقابة.
وهذه قاعدة جوهرية: كلما اتسعت السلطة، وجب أن تتسع معها ضمانات الرقابة، لا أن تتراجع.
بين إعادة بناء الدولة وإعادة تركيز السلطة
لا شك أن المرحلة السورية تفرض على السلطة الانتقالية قرارات واسعة في إعادة بناء مؤسسات الدولة. ومن الأمثلة الدالة على ذلك المراسيم التشريعية رقم 44 و45 و46 لعام 2026، الصادرة في 5 نيسان/أبريل 2026، والتي أنشأت مؤسسات جديدة لإدارة قطاعات التعدين والكهرباء والمياه؛ إذ أنشأ المرسوم رقم 44 الشركة السورية للتعدين، والمرسوم رقم 45 الشركة السورية للكهرباء، فيما أعاد المرسوم رقم 46 تنظيم قطاع مياه الشرب والصرف الصحي من خلال هيئة عامة جديدة.
وهذه التدابير يمكن فهمها في إطار إعادة تنظيم قطاعات حيوية في دولة خارجة من حرب وانهيار مؤسسي طويل، ولا يصح اختزالها بمجرد صدورها عن السلطة الانتقالية في كونها تدابير استثنائية غير مشروعة.
لكن الأهمية الدستورية لهذه الأمثلة تكمن في شيء آخر: أن إعادة بناء الدولة لا تعني بالضرورة إعادة بناء السلطة في مركز واحد.
فالغاية من المرحلة الانتقالية ليست مجرد جعل الدولة أكثر قدرة على اتخاذ القرار، وإنما جعلها أكثر قدرة على اتخاذ القرار وفق قواعد مؤسسية.
وبعبارة أخرى، ثمة فرق بين “قوة الدولة” و”قوة السلطة”. الأولى ضرورة في دولة خرجت من الحرب، أما الثانية فقد تصبح خطراً إذا لم تقترن بقيود مؤسسية.
ومن هنا فإن إعادة تنظيم قطاعات الاقتصاد والخدمات والأمن يمكن أن تكون جزءاً من عملية بناء الدولة، لكن مشروعيتها الدستورية تتعزز كلما كانت الاختصاصات موزعة بوضوح، والقرارات قابلة للمراجعة، والهيئات الجديدة خاضعة للقانون، ولا تتحول الضرورات الإدارية إلى مبررات لاحتكار القرار العام.
الضرورة الاقتصادية والسياسية لا ينبغي أن تختلط بالضرورة الدستورية
من الأخطاء المنهجية الشائعة توسيع مفهوم الضرورة بحيث يشمل كل حاجة ملحة للدولة. فالدولة قد تكون في حاجة إلى إصلاح اقتصادي عاجل، أو إعادة هيكلة مؤسسة عامة، أو رفع أجور العاملين، أو إعادة تنظيم قطاع معين، لكن هذه الحاجة لا تصبح “ضرورة دستورية” بالمعنى الذي يبرر تجاوز الآليات الدستورية إلا إذا ارتبطت بخطر استثنائي يجعل الوسائل العادية غير كافية.
فالمصلحة العامة أوسع من الضرورة، والضرورة أضيق من المصلحة العامة.
وقد صدرت في سوريا خلال المرحلة الانتقالية مراسيم ذات طابع اقتصادي واجتماعي واسع، من بينها المرسومان رقما 102 و103 لعام 2025 بشأن زيادة الرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية، ثم المرسوم رقم 67 لعام 2026 الذي أضاف 50% إلى الرواتب والأجور، والمرسوم رقم 68 لعام 2026 الذي أقر زيادات نوعية في عدد من القطاعات العامة. وقد أعلنت الحكومة أن هذه الإجراءات تأتي ضمن مسار إصلاح منظومة الأجور وتنشيط الاقتصاد وتخفيف الأعباء عن العاملين.
ولا تكمن الدلالة الدستورية لهذه القرارات في الحكم على مضمونها الاقتصادي، وإنما في ضرورة المحافظة على الحدود المفاهيمية بين القرار السياسي الضروري بمعناه العملي وبين الإجراء الاستثنائي الضروري بمعناه الدستوري.
فإذا أصبح كل قرار ترى السلطة أنه ملحّ قرار ضرورة، أصبح الاحتجاج بالضرورة غير قابل للضبط، لأن معيار الضرورة لن يعود موضوعياً، وإنما سيصبح مرادفاً لتقدير السلطة لما تعتبره مهماً.
ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي لا يكون في السؤال عما إذا كان القرار مفيداً أو مطلوباً، وإنما عما إذا كانت طبيعته الاستثنائية تقتضي فعلاً استخدام سلطة استثنائية.
من شرعية الضرورة إلى خطر دسترة الاستثناء
إذا كان الاستثناء مقبولاً بوصفه وسيلة مؤقتة لحماية الدولة، فإن الخطر الأكبر يبدأ عندما يصبح الاستثناء نفسه جزءاً من البنية الدائمة للحكم.
وهذه هي ظاهرة دسترة الاستثناء.
ومعناها أن الإجراءات التي اتخذت أصلاً بسبب ظروف استثنائية تبدأ بالتراكم، ثم تستقر، ثم تتحول إلى مؤسسات وقواعد وممارسات دائمة، بحيث لا تعود الدولة تستخدم الاستثناء لمعالجة الأزمة، بل تصبح الأزمة مبرراً دائماً لبقاء النظام الاستثنائي.
وهذا الخطر أشد ما يكون في الدول التي تخرج من أنظمة سلطوية؛ لأن المجتمع يكون قد ثار أصلاً على تركيز السلطة، ثم قد يجد نفسه أمام سلطة جديدة تبرر التركيز ذاته بضرورات إعادة البناء والاستقرار.
وهنا تكمن المفارقة الدستورية الأشد خطورة: بأن تتحول الضرورة التي استُخدمت لحماية الانتقال إلى سبب يحول دون اكتمال الانتقال.
وفي التجربة السورية، لا يكفي أن يقال إن الصلاحيات الواسعة مؤقتة لأنها واردة في إعلان دستوري انتقالي؛ بل ينبغي أن يُنظر إلى اتجاه الممارسة ذاتها: هل تتراجع الصلاحيات الاستثنائية مع ظهور المؤسسات؟ أم أن المؤسسات الجديدة تُنشأ داخل بنية ما تزال فيها القوة الفعلية مركزة في السلطة التنفيذية؟
وهذا السؤال يكتسب أهمية خاصة مع بدء مجلس الشعب الجديد أعماله في تموز/يوليو 2026. فإذا كان أحد مبررات توسيع السلطة التنفيذية في بداية المرحلة هو غياب مؤسسة تشريعية قادرة على ممارسة اختصاصاتها، فإن بدء عمل المجلس يفرض، من الناحية الدستورية، إعادة تقييم مستمرة لحجم الاختصاصات التي لا تزال السلطة التنفيذية تمارسها بصورة استثنائية.
ومن ثم، فإن وجود البرلمان لا يكفي وحده لإثبات اكتمال الانتقال؛ وإنما يجب أن يصبح جزءاً فعلياً من عملية إنتاج القرار العام والرقابة عليه. كما أن وجود القضاء لا يكفي إذا لم يكن قادراً على ممارسة رقابته باستقلال، ووجود النص الدستوري لا يكفي إذا بقيت القوة الفعلية للقرار خارج آليات التوازن التي يفترض أن ينشئها.
الضرورة في مواجهة التجربة السورية
معيار مزدوج لا إدانة مسبقة ولا تسويغ مطلق
ومن الإنصاف العلمي ألا تُقرأ التجربة السورية بمنهج يرفض كل إجراء استثنائي لمجرد صدوره في ظل سلطة انتقالية، كما لا يجوز قراءتها بمنهج معاكس يمنح السلطة الانتقالية تفويضاً غير محدود لمجرد أنها نشأت في أعقاب سقوط نظام استبدادي.
فالمنهج الدستوري السليم يقع بين هذين الطرفين.
إن وجود أخطار حقيقية في سوريا لا يمكن إنكاره، وقد أثبتت أحداث الساحل والسويداء أن السلطة الانتقالية واجهت بالفعل تهديدات أمنية واجتماعية خطيرة. كما أن إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد عقود من الاستبداد والحرب لا يمكن أن تتم بالوسائل العادية نفسها التي تعمل في دولة مستقرة.
لكن النتيجة القانونية لذلك ليست أن الضرورة تصبح قاعدة؛ بل العكس تماماً؛ كلما كانت الظروف أكثر استثنائية، كان واجب السلطة في تحديد الاستثناء وتبريره ومراقبته وإنهائه أكثر صرامة.
فإذا كان الخطر الأمني محدداً في مكان وزمان معينين، وجب أن يكون التدبير متصلاً به من حيث المكان والزمان والموضوع. وإذا كان الخطر مؤقتًا، وجب أن تكون الوسيلة مؤقتة. وإذا أمكن تحقيق الغاية بوسيلة أقل تقييداً للحقوق أو أقل تركيزاً للسلطة، تعين تفضيلها. وإذا نشأت مؤسسات قادرة على تحمل الاختصاص الذي كانت السلطة التنفيذية تمارسه استثنائياً، وجب إعادة الاختصاص إليها.
وعلى هذا الأساس، لا يكون النقد الدستوري للسلطة الانتقالية اتهاماً لها بسوء النية، وإنما يكون فحصاً موضوعياً للحدود التي تفصل بين السلطة اللازمة لإنقاذ الدولة والسلطة التي قد تجد في الضرورة مبرراً لاستمرار توسعها.
خاتمة
يتبين من مجمل ما تقدم أن المرحلة الانتقالية السورية لا يمكن أن تستمد مشروعية استمرارها من اللحظة التي أنشأتها وحدها، ولا من الظروف الاستثنائية التي أحاطت بها، وإنما من قدرتها على تحويل تلك اللحظة وتلك الظروف إلى نظام دستوري مؤسسي مستقر.
فالشرعية الثورية تفسر نشأة السلطة في لحظة التحول، وشرعية الضرورة قد تبرر، في حدودها الضيقة، بعض التدابير التي تفرضها ظروف الانتقال، إلا أن كليهما يظل ذا طبيعة انتقالية، ولا يمكن أن يتحول إلى مصدر دائم ومفتوح لممارسة السلطة.
ومن ثم، فإن الشرعية الثورية ينبغي أن تبقى محصورة في وظيفتها التأسيسية، باعتبارها نقطة انطلاق لإعادة بناء الدولة، لا أساساً دائماً للحكم. كما أن الضرورة لا يجوز أن تتحول من وسيلة استثنائية لحماية الدولة إلى مبرر دائم لتوسيع السلطة التنفيذية أو تعطيل مقتضيات التوازن المؤسسي. فالضرورة الدستورية لا تقاس بمجرد وجود ظروف صعبة، وإنما بوجود خطر حقيقي ومحدد، وبمدى ضرورة الإجراء لمواجهته، وتناسبه معه، ومؤقتيته، وخضوعه للمراجعة والرقابة.
ومن هذه الزاوية، فإن أهم ما ينبغي أن يحكم المرحلة الانتقالية هو عدم السماح للاستثناء بأن يتحول إلى قاعدة، ولا للمرحلة المؤقتة بأن تتحول إلى بنية دائمة للحكم. فكلما اتسعت الصلاحيات الاستثنائية، ازدادت الحاجة إلى الضمانات التي تحدد نطاقها ومدتها وغايتها، وتمنع أن تتحول الظروف التي بررت نشأتها إلى مبررات مستمرة لإبقائها.
وعليه، يقتضي البناء الدستوري السليم أن تكون الغاية النهائية للمرحلة الانتقالية محددة بوضوح في الوصول إلى دستور دائم يستند إلى إرادة شعبية، وإلى مؤسسات مستقرة، وإلى قواعد تجعل السلطة خاضعة للقانون لا متقدمة عليه. كما يقتضي أن تخضع التدابير الاستثنائية للتسبيب والمراجعة الدورية، وأن تنتهي بانتهاء أسبابها، وألا تستخدم الضرورة لتجاوز الحقوق والحريات أو لإضعاف الضمانات المؤسسية التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الجديدة.
إن جوهر الانتقال الدستوري، في نهاية المطاف، لا يكمن في استبدال السلطة القائمة بسلطة أخرى، وإنما في تغيير القواعد التي تنتج السلطة وتحدد حدودها وتحول دون احتكارها.
ولهذا فإن معيار نجاح المرحلة الانتقالية السورية لا ينبغي أن يكون مقدار ما تستطيع السلطة الانتقالية ممارسته من صلاحيات، بل مقدار ما تنجح في تحويله من صلاحيات استثنائية إلى مؤسسات وقواعد دائمة، ومقدار ما تقبل به من قيود على نفسها لصالح دولة القانون.
ومن هنا تتحدد العلاقة بين الشرعيات الثلاث: فالشرعية الثورية تفسر لحظة التغيير، وشرعية الضرورة تضبط بعض مقتضيات العبور، أما الشرعية الدستورية فتمثل الغاية النهائية لهذا المسار. وكلما اقتربت المرحلة الانتقالية من هذه الغاية، ازدادت مشروعيتها الدستورية؛ وكلما طال أمد الاستثناء، أو اتسعت الضرورة دون حدود واضحة، أو تحولت التدابير المؤقتة إلى ممارسات مستقرة، برز خطر انحراف الانتقال عن وظيفته وتحوله من جسر إلى الدستورية إلى بديل عنها.
وبناءً على ذلك، فإن حماية المسار الانتقالي تقتضي حصر الشرعية الثورية في وظيفتها الانتقالية، وضبط شرعية الضرورة بشروط الخطر الحقيقي والمؤقتية والتناسب والرقابة، ومنع دسترة الاستثناء، وربط شرعية السلطة بقدرتها على إنهاء الحالة الاستثنائية والانتقال إلى الشرعية الدستورية. فالدولة التي خرجت من تجربة الاستبداد لا يكفيها أن تتخلص من السلطة القديمة؛ وإنما يتعين عليها أن تبني من الضمانات ما يمنع إعادة إنتاج الاستبداد، أياً كان مصدره أو مبرراته.
وعند هذه النقطة ينتقل البحث من سؤال الشرعية ومصدرها وحدودها إلى سؤال أكثر اتصالاً بالتجسيد المؤسسي لهذه الشرعية: كيف تُترجم المبادئ الدستورية للمرحلة الانتقالية إلى مؤسسات قادرة فعلاً على ممارسة السلطة ومراقبتها وتقييدها؟ وهو ما يقتضي في الجزء التالي بحث موقع مجلس الشعب في البناء الانتقالي، ومدى قدرته على الاضطلاع بوظيفته التشريعية والرقابية الذي وُجِد من أجلهما، باعتباره أحد الاختبارات العملية للانتقال من شرعية تستند إلى السلطة القائمة إلى شرعية تستند إلى المؤسسات. ثم يتصل بذلك بحث المحكمة الدستورية العليا بوصفها إحدى أهم الضمانات المفترضة لسمو القواعد الدستورية وخضوع السلطات لها.
التحالف السوري الديمقراطي