في يوم الشباب الدولي: سوريا تحتاج شاباتها وشبانها لبناء السلام لا لحمل السلاح
بقلم: حنان أحمد
التحالف السوري الديمقراطي
في الثاني عشر من آب من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للشباب. وفي سوريا، لا يمكن أن تمر هذه المناسبة بوصفها احتفالاً رمزياً أو فرصة لتكرار العبارات التقليدية عن الشباب بوصفهم «مستقبل البلاد». فالسؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: أيَّ مستقبل نصنعه لجيل من الشابات والشبان، عاش سنوات طويلة بين الحرب والنزوح والفقر والاستقطاب والعنف، ثم يجد نفسه أمام مجتمع تتسع فيه مساحة السلاح فيما تضيق مساحة المشاركة المدنية والسياسية؟
لقد دفعت الشابات والشبان في سوريا ثمناً باهظاً خلال سنوات الصراع، وإن لم تكن الأثمان متطابقة. فقد تعرض الجميع للقتل والنزوح واللجوء والاعتقال وفقدان فرص التعليم والعمل والاستقرار، فيما واجهت الشابات والنساء، إلى جانب ذلك، أشكالاً إضافية من العنف والتمييز والتهميش، وتحمّلن أعباء اجتماعية واقتصادية متزايدة في ظل تفكك الأسر والمجتمعات المحلية.
وفي المقابل، وجد كثير من الشبان أنفسهم تحت ضغط التجنيد أو الانخراط في تشكيلات مسلحة متعددة، أو أمام واقع جعل حمل السلاح، في بعض الحالات، مصدراً للدخل أو الحماية أو المكانة والنفوذ.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج عسكرة المجتمع: أنها تعيد إنتاج أدوار غير متوازنة؛ فتدفع بالشبان نحو السلاح والعنف، فيما تدفع بالشابات والنساء بعيداً عن دوائر القوة وصناعة القرار.
وبذلك يخسر المجتمع مرتين: مرة عندما تتحول طاقات الشبان إلى وقود للصراع، ومرة عندما تُهمَّش طاقات الشابات والنساء عن المجال العام.
السلاح ليس تمكيناً
إن انتشار السلاح بين الشبان لا ينبغي النظر إليه بوصفه قضية أمنية فقط، بل باعتباره قضية سياسية واجتماعية واقتصادية وجندرية تمس مستقبل الدولة والمجتمع.
فعندما يصبح السلاح مصدراً للقوة والمكانة والحماية أو الدخل، تتراجع قيمة القانون والتعليم والعمل والمشاركة المدنية. وعندما يشعر الشاب بأن الطريق الأقصر إلى التأثير يمر عبر البندقية وليس عبر الجامعة، أو النقابة، أو الحزب، أو المؤسسة المدنية، أو صندوق الاقتراع، فإننا نكون أمام خلل يتجاوز الفرد ليصيب بنية الدولة والمجتمع.
كما أن السلاح الذي يُحمل اليوم تحت عنوان الحماية قد يتحول غداً إلى أداة في نزاع محلي، أو عشائري، أو طائفي، أو سياسي. ومع ضعف المؤسسات، قد تصبح الولاءات المسلحة أقوى من الولاء للدولة، ويتحول الخلاف السياسي أو الاجتماعي، الذي يفترض أن يُدار بالحوار والقانون، إلى مواجهة مسلحة.
والأخطر أن عسكرة المجتمع لا تنتهي عند حامل السلاح. فانتشاره يترك آثاره داخل الأسرة والحي والمجتمع المحلي، ويزيد من هشاشة الفئات الأكثر عرضة للعنف، وفي مقدمتها النساء والأطفال.
لذلك فإن مواجهة عسكرة الشبان ليست موقفاً ضدهم، بل دفاع عن حق الشابات والشبان في مستقبل مختلف.
من حمل السلاح إلى حمل المسؤولية
في عام 2015، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار 2250 حول الشباب والسلام والأمن، في تحول مهم في نظرة المجتمع الدولي إلى الشباب في المجتمعات المتأثرة بالنزاعات.
فجوهر القرار لا يقوم على التعامل مع الشباب باعتبارهم مشكلة أمنية أو خزّاناً محتملاً للمقاتلين، وإنما الاعتراف بهم شركاء في منع النزاعات وبناء السلام وصناعة القرار.
وتقوم أجندة الشباب والسلام والأمن على خمسة محاور رئيسية: المشاركة، والحماية، والوقاية، والشراكات، وفك الارتباط وإعادة الإدماج.
ومن المهم بالنسبة إلينا ألا تتحول كلمة «الشباب» في التطبيق إلى مرادف للشبان وحدهم، بل أن تكون مشاركة الشابات والشبان مشاركة حقيقية ومتساوية.
وفي الحالة السورية، يكتسب ذلك أهمية مضاعفة.
فبدلاً من سؤال: كيف نسلّح الشباب لحماية المجتمع؟ ينبغي أن يكون السؤال: كيف نبني دولة ومؤسسات قادرة على حماية الشابات والشباب والمجتمع بأسره؟
وبدلاً من استقطاب الشبان إلى التشكيلات المسلحة وتهميش الشابات عن المجال العام، علينا أن نفتح أمام الجميع أبواب المشاركة السياسية والمدنية والاقتصادية.
وبدلاً من الاستثمار في اقتصاد السلاح، علينا الاستثمار في التعليم وفرص العمل والتنمية، والمبادرات الشبابية، والنسوية، والمجتمعية.
فالسلام لا يعني فقط توقف إطلاق النار. السلام الحقيقي يبدأ عندما يصبح الشابة والشاب قادرين على تصور مستقبلهما من دون أن تكون البندقية شرطاً للأمان أو التأثير أو الحصول على الحقوق.
لا سلام من دون النساء والشابات
إن الحديث عن القرار 2250 لا ينبغي أن يكون منفصلاً عن المسار الذي أسسه قرار مجلس الأمن 1325 حول المرأة والسلام والأمن، وما تبعه من قرارات أكدت أهمية مشاركة النساء في منع النزاعات وحلها وبناء السلام.
فأجندة الشباب والسلام والأمن وأجندة المرأة والسلام والأمن تلتقيان في مبدأ أساسي: السلام المستدام لا يمكن أن يُصنع بإقصاء النساء أو بتهميش الأجيال الشابة.
ولهذا، فإن أي سياسة سورية مستقبلية تتعلق بنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، أو بإصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية، أو ببناء السلام والمصالحة، ينبغي أن تنطلق من فهم واضح لاختلاف آثار النزاع والعسكرة على النساء والرجال، وعلى الشابات والشبان.
كما يجب ألا يقتصر دور النساء والشابات على كونهن مستفيدات من الحماية أو البرامج الاجتماعية، بل يجب أن يكنّ حاضرات كصانعات قرار، ومفاوضات، وقيادات سياسية ومدنية، وفاعلات في عمليات بناء السلام.
فالمرأة ليست مجرد ضحية للحرب، والشابة ليست مجرد فئة تحتاج إلى الحماية؛ كلتاهما شريكة في صياغة المستقبل.
المسؤولية ليست مسؤولية الشباب وحدها
من الخطأ تحميل الشباب مسؤولية واقع لم يصنعوه وحدهم.
فالشاب الذي يعيش البطالة والفقر والتهميش وانعدام الأمان، ولا يرى مؤسسة تحميه أو مستقبلاً اقتصادياً ينتظره، يصبح أكثر عرضة للاستقطاب المسلح.
والشابة التي تمتلك الكفاءة والتعليم والطموح، لكنها تصطدم بالتمييز أو القيود الاجتماعية أو غياب فرص المشاركة، تجد نفسها خارج المساحات التي يُصنع فيها القرار.
في الحالتين نحن أمام خسارة وطنية.
لذلك فإن نزع السلاح من المجتمع لا يبدأ بجمع البنادق فقط، بل بإزالة الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تجعل حمل السلاح خياراً جذاباً أو ضرورياً، وإزالة العوائق التي تحول دون المشاركة المتساوية للشابات والنساء في الحياة العامة.
نحتاج إلى دولة تحتكر السلاح وفق القانون، وإلى مؤسسات أمنية وعسكرية وطنية خاضعة للقانون والمساءلة، وفي الوقت نفسه نحتاج إلى فضاء سياسي ومدني يشعر فيه الشباب، نساءً ورجالاً، بأن أصواتهم مسموعة وأن مشاركتهم قادرة على إحداث تغيير حقيقي.
كما نحتاج إلى برامج جادة لإعادة التأهيل والدمج، وإلى فرص التعليم والتدريب والعمل. فلا يمكن أن نطلب من شاب ترك السلاح، ثم نتركه أمام البطالة والتهميش وانعدام الأفق.
سوريا تحتاج حواراً وطنياً جامعاً
لكن إخراج الشباب من دائرة السلاح لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة البيئة السياسية والاجتماعية التي أنتجت الخوف والانقسام والعنف.
فسوريا اليوم لا تحتاج فقط إلى الحد من انتشار السلاح، بل إلى حوار وطني جامع يعيد السوريين والسوريات إلى طاولة واحدة، ويتيح لهم المشاركة في مناقشة مستقبل دولتهم وشكل علاقتهم بها وببعضهم بعضاً.
حوار لا يقوم على منطق الغلبة أو المنتصر والمهزوم، ولا يقصي مكوّناً سياسياً، أو اجتماعياً، أو قومياً، أو دينياً، بل ينطلق من الاعتراف بالتعدد السوري ومن حقيقة أن الاختلاف لا ينبغي أن يكون سبباً للصراع، وإنما جزءاً طبيعياً من مجتمع قادر على إدارة تنوعه في إطار دولة واحدة.
ولا ينبغي أن يكون الحوار الوطني اجتماعاً بين النخب السياسية وحدها، بل مساراً مجتمعياً واسعاً يكون للشابات والشباب والنساء والمجتمع المدني والقوى السياسية والمكونات السورية المختلفة مكان حقيقي فيه.
فلا معنى للحديث عن مستقبل الشباب من دون أن يكون الشباب أنفسهم شركاء في تحديد هذا المستقبل.
وهنا يلتقي جوهر القرار 2250 مباشرة مع ما تحتاجه سوريا: تحويل الشباب من مادة للاستقطاب والتعبئة والصراع إلى شركاء وشريكات في الحوار ومنع النزاع وصناعة السلام.
هوية وطنية تتسع للجميع
بالتوازي مع الحوار، تحتاج سوريا إلى إعادة بناء هوية وطنية سورية جامعة، تقوم على المواطنة المتساوية والانتماء إلى الدولة، لا على الولاءات المسلحة، أو الطائفية، أو المناطقية، أو الإثنية الضيقة.
لكن الهوية الوطنية التي نحتاجها ليست هوية تلغي تنوع السوريين والسوريات أو تطلب منهم التخلي عن خصوصياتهم الثقافية أو القومية أو الدينية. بل هي هوية تتسع لهذا التنوع وتحميه، وتجعل منه مصدر غنى لا سبباً للصراع.
هوية يكون فيها السوريون والسوريات متساوين في الحقوق والواجبات والكرامة، ويكون فيها القانون والمؤسسات مرجعية الجميع.
وهذا يرتبط مباشرة بقضية الشباب والسلاح.
فعندما تضعف الهوية الوطنية الجامعة وتتراجع الثقة بالدولة ومؤسساتها، تتقدم الهويات الفرعية، وقد يصبح الانتماء إلى الجماعة المسلحة، أو المنطقة، أو الطائفة، أو العشيرة أكثر قدرة على توفير الشعور بالحماية من الانتماء إلى الدولة.
وعندها يصبح الشاب أكثر عرضة لأن يرى في السلاح ضمانة لأمنه وهويته ووجود جماعته.
لذلك فإن مواجهة انتشار السلاح لا تبدأ فقط من السؤال: كيف نجمع السلاح؟
بل من سؤال أعمق وأكثر أهمية:
كيف نبني دولة يشعر كل شاب وشابة بأنها دولتهم، وأن القانون يحميهم، وأن صوتهم مسموع، وأن هويتهم وحقوقهم وكرامتهم لا تحتاج إلى بندقية للدفاع عنها؟
سوريا تحتاج شاباتها وشبابها
بعد سنوات طويلة من الحرب، لا تحتاج سوريا إلى جيل جديد يتعلم استخدام السلاح، بل إلى جيل يتعلم إدارة الاختلاف، وبناء المؤسسات، واحترام التنوع، والمواطنة.
نحتاج الشابات والشبان في الجامعات والنقابات والبلديات والمجالس المحلية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات العامة والقطاع الاقتصادي.
نحتاجهن ونحتاجهم على طاولات الحوار والمفاوضات، وفي مواقع صنع القرار، وفي عمليات المصالحة وبناء السلام، لا على خطوط تماس جديدة ولا على هامش الحياة العامة.
إن حماية الشباب لا تعني إبعادهم عن السياسة، بل إدخالهم إليها. ولا تعني مطالبتهم بالصمت، بل منحهم المساحة للتعبير والمشاركة والتنظيم السلمي. ولا تعني التعامل معهم كقوة بشرية يمكن تعبئتها عند الحاجة، بل الاعتراف بهم مواطنين ومواطنات كاملي الحقوق والمسؤوليات.
وفي يوم الشباب العالمي، ينبغي أن تكون رسالتنا واضحة:
لا تجعلوا من شابات وشبان سوريا وقوداً لصراعات جديدة.
لا تدفعوا الشبان إلى حمل السلاح ثم تسموا ذلك تمكيناً، ولا تُبعدوا الشابات عن صناعة القرار ثم تتحدثوا عن المشاركة.
إن كان لا بد من تعبئة طاقات هذا الجيل، فلنعبئها من أجل إعادة الإعمار وبناء الدولة. وإن كان لا بد من تنظيمها، فلننظمها في العمل السياسي والمدني والتنموي. وإن أردنا منح الشباب القوة، فلنعطِ الشابات والشبان قوة المعرفة والقانون والعمل والمشاركة المتساوية، لا قوة السلاح.
فسوريا التي نريدها لا تُبنى ببندقية كل جماعة في مواجهة الأخرى، وإنما بحوار يجمع السوريات والسوريين حول دولة واحدة، وهوية وطنية تتسع للجميع، ومواطنة متساوية تجعل الانتماء إلى سوريا أقوى من الحاجة إلى الاحتماء بأي سلاح أو هوية فرعية.
بعد كل ما دفعه السوريات والسوريون من أثمان، نريد جيلاً يحمل مشروع دولة لا مشروع بندقية؛ جيلاً يرى في اختلاف السوريين مصدر غنى لا سبباً للصراع؛ جيلاً يشارك في صناعة القرار بدلاً من أن يُستخدم في صناعة الصراع؛ وجيلاً يكون شريكاً في بناء هوية وطنية سورية جامعة وسلام مستدام.
هذه ليست فقط رسالة في يوم الشباب العالمي، بل هي دعوة إلى خيار وطني واضح: أن نستثمر في الإنسان بدلاً من السلاح، وفي المواطنة بدلاً من الانقسام، وفي الحوار بدلاً من العنف، وفي دولة تتسع لجميع بناتها وأبنائها.
فمستقبل سوريا لن يصنعه المزيد من البنادق، بل تصنعه شاباتها وشبابها عندما يمتلكون صوتاً ومكاناً ودوراً في بناء وطنهم.